بالتسويف والتأخير ، ويغرهم من أنفسهم ، ويزين لهم تحريم ما أحل الله ، وتغيير خلق الله بارتكاب ما حرم ، كالوشم والنمص وخصي الإنسان ، وغير ذلك. ثم بين الله ـ عزوجل ـ أن من يتخذ الشيطان وليا مطاعا معبودا ، فإنه قد خسر الدنيا والآخرة ، وتلك خسارة لا جبر لها ، ولا استدراك لفائتها. ثم بين الله ـ عزوجل ـ طريق الشيطان في الإضلال ، وهو أن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة ، وقد كذب وافترى في ذلك. ولذلك بين الله ـ عزوجل ـ أن وعد الشيطان أولياءه إنما هو هباء ، ثم بين الله ـ عزوجل ـ جزاء المستحسنين لإغواء الشيطان ووعوده ومناه ، وأن هذا الجزاء هو جهنم ، فهي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ، وأنه ليس لهم عنها مندوحة ، ولا مصرف ، ولا خلاص ولا مناص.
فالشرك إذن يسبب الانحراف عن الحق ، وأن الشرك في حقيقته عبادة للشيطان وطاعة له في دعوته ، ومجىء هذه المعاني في سياق الأمر بالحق والعدل واضح. إذ لا عدل ولا حق مع الشرك واتباع الشيطان. وإذ ذكر حال الأشقياء في الآخرة ، قفى بحال المؤمنين الذين صدقت قلوبهم ، وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات ، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات بأن جزاءهم الخلود الأبدي في جنات تجرى من تحتها الأنهار ، ذلك وعد الله لهم ، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة ، إذ هو أصدق الصادقين ، فلا أحد أصدق منه قولا وخبرا ووعدا. ومجىء هذه الآية في سياق الدعوة إلى الحق والعدل واضح ، إذ بدون الإيمان ، والعمل الصالح ، والثقة بوعد الله في الآخرة ، لا يستطيع إنسان أن يثبت على الحق والعدل ، وإذ كان كل أهل دين يدعون أنهم أهل الحق ، وأن الجنة لهم دون غيرهم ، وحتى بعض المسلمين يعيشون على الأماني ، فيتصورون أن الجنة لهم بلا عمل ، قرر الله ـ عزوجل ـ أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان ، فليست النجاة بمجرد التمني ، بل العبرة بطاعة الله سبحانه ، واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام ، وأن القاعدة عند الله أن من يعمل سوءا يجازيه به. ولا يستطيع أحد أن يحول بين الله وبين مجازاته ، فينصره أو يدفع عنه. ولما ذكر الله الجزاء على السيئات ، وأنه سيأخذ مستحقها من العبد ، إما في الدنيا وهو الأجود له ، نسأل الله العافية ـ وإما في الآخرة والعياذ بالله من ذلك ، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده ، ذكورهم وإناثهم بشرط الإيمان ، وأنه
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
