والنصارى ، (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا.) أي : كل الكافرين سوى اليهود والنصارى ، والملحدون مشركون ، إذ أعطوا الكون صفات الله من الخلق والإرادة والإحياء والإماتة ، وجعلوا أنفسهم آلهتهم ، (أَذىً كَثِيراً) كالطعن في الدين ، وصد من أراد الإيمان ، وتخطئة من آمن ونحو ذلك. (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على أذاهم (وَتَتَّقُوا) مخالفة أمر الله (فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.) أي : فإن الصبر والتقوى من عزائم الأمور ، أي : مما يجب العزم عليه من الأمور. خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد ، والصبر عليها. حتى إذا كانت لقوها وهم مستعدون ، لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه. (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.) أي : اذكر ذلك ، ثم بين ماهية الميثاق (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) هذا هو الميثاق ، بيان الكتاب ، وعدم كتمانه. ومن الصيغة نفهم تأكيد إيجاب بيان الكتاب ، واجتناب كتمانه ، وكما أخذ عليهم الميثاق أخذ علينا. قال عليهالسلام : «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ.) أي : فنبذوا الميثاق ولم يراعوه ، ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر ، مثل في الطرح وترك الاعتداد. قال النسفي : وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه ، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ، وتطييب لنفوسهم ، أو لجر منفعة ، أو دفع أذية ، أو لبخل في العلم. (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً.) أي : اشتروا بهذا الكتمان عرضا يسيرا ، والدنيا كلها عرض يسير. (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.) أي : فبئس الصفقة صفقتهم إذ باعوا العظيم بما لا يساوي شيئا.
فوائد :
١ ـ روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ يقول : أنا مالك ، أنا كنزك» ، ثم تلا هذه الآية : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...) إلى آخر الآية.
وروى ابن جرير عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه ، فيسأله من فضل جعله الله عنده ، فيبخل به عليه ، إلا خرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
