تدرب على حمل التبعة ، وأن تخطىء ـ مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة ـ لتعرف كيف تصحح خطأها ، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ .. والخسائر لاتهم ، إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المقدرة للتبعة. واختصار الأخطاء ، والعثرات ، والخسائر ، في حياة الأمة ليس فيه شىء من الكسب لها ، إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية. إنها في هذه الحالة تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية. ولكنها تخسر نفسها وتخسر وجودها ، وتخسر تربيتها ، وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية. كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي ـ مثلا ـ لتوفير العثرات والخبطات. أو توفير الحذاء!
كان الإسلام ينشىء أمة ويربيها ، ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها ، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية ، كي تدرب عليها في حياة الرسول صلىاللهعليهوسلم وبإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى ، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشؤون ـ كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا ، وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب ـ ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة ـ لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون ، لكان وجود محمد صلىاللهعليهوسلم ـ ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى ـ كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى ـ وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة. ولكن وجود محمد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث ، ووجود تلك الملابسات ، لم يلغ هذا الحق. لأن الله ـ سبحانه ـ يعلم أن لا بد من مزاولته في أخطر الشؤون ، ومهما تكن النتائج ، ومهما تكن الخسائر ، ومهما يكن انقسام الصف ، ومهما تكن التضحيات المريرة ، ومهما تكن الأخطار المحيطة .. لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة ، المدربة بالفعل على الحياة ؛ المدركة لتبعات الرأي والعمل ، والواعية لنتائج الرأي والعمل .. ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي ، وفي هذا الوقت بالذات :
(فَاعْفُ عَنْهُمْ ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.). ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله ؛ وليثبت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة أيا كانت الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة ، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة ،
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
