من نبي ، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان ، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه ، والمعصوم من عصمه الله».
٣ ـ روى ابن أبي حاتم : «قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن ههنا غلاما من أهل الحيرة حافظ ، كاتب ، فلو اتخذته كاتبا؟ فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين». قال ابن كثير : «ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين ، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب» أقول : من كلام ابن كثير يفهم جواز استعمالهم فيما سوى ذلك.
وبعد أن بين الله ـ عزوجل ـ النهي عن اتخاذ بطانة من دوننا وأسبابه ، ووعد عباده المؤمنين ، أن يحبط مكر الكافرين في حالة تقوانا ، وصبرنا. يضرب لنا مثلين عن حالتين تولى عباده المؤمنين فيهما : يوم أحد ، ويوم بدر ، فأحبط كيد أعدائهم بسبب صبرهم وتقواهم. والدليل على أن هاتين القصتين مساقتان كنموذجين على تولي الله المؤمنين ، وإحباط كيد أعدائهم في حالة صبرهم وتقواهم ، هو ورود ذكر الصبر والتقوى في الآيات السابقة :
(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً).
ووروده فيما يأتي : (بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ.)
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) المراد بالقتال هنا معركة أحد ، والغدو : الخروج صباحا ، والمعنى : واذكر يا محمد مثلا على تولي الله المؤمنين ، حين خرجت من أهلك بالمدينة تبوىء ، أي : تنزل المؤمنين في منازلهم ومواطنهم ، ومواقفهم للقتال من الميمنة ، والميسرة ، والقلب ، والجناحين ، والساقة. (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي : سميع لأقوالكم ، عليم بنياتكم وضمائركم. (إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما) هذا الذي سيقت القصة من أجله ، وأمر بالتذكير فيه ، إذ حمى الله ـ عزوجل ـ طائفتين من المؤمنين يوم أحد من أن تتخذا مواقف المنافقين ، إذ انسحبوا ، فكان في ذلك حفظ لهما ، ودعم لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وتفشيل لكيد المنافقين. والمعنى : واذكر إذ همت عشيرتان : هم بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، أن تجبنا وتضعفا ، وتنسحبا ، ولكن الله محبهما وناصرهما ، ومتولي أمرهما ولذلك صرفهما عن مشاركة المنافقين بالانسحاب فلم يفعلا. وهذه القصة تعلمنا أن نسلم أمورنا لله ، وأن نتوكل عليه ، وألا نخالف أمره. ومن ثم
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
