وتعقيبا على هذا كله يوجه الله رسوله ويعلمه أن الأمر كله لله ، الملك ملكه ، والأمر أمره ، والتدبير تدبيره ، وليس لأحد معه ملك أو أمر أو تدبير. يعذب من شاء ، وينصر من شاء ، ويغفر لمن شاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ورحمته وسعت كل شىء.
المعنى الحرفي :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ) بطانة الرجل هم خاصته وأصفياؤه الذين يطلعهم على أدخل أمره. وقوله (مِنْ دُونِكُمْ) دخل فيه عامة أهل الأديان ، وأهل الإلحاد ، وأهل النفاق. وكل من دخل في قول من أقوال رسول الله عليهالسلام «ليس منا». فصار المعنى : لا تتخذوا خواص لكم ، وأصفياء ، تطلعونهم على أسراركم ، ومخططاتكم من دون أبناء دينكم ، وهم المسلمون الصادقون. ودخل في هذا النهي أن نجعل أمثال هؤلاء مستشارين لنا ، وأمناء سر. ومخالطين لنا ، وأصحاب عشرة. ثم وصف من دوننا بالنسبة لنا (لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً) الخبال : الفساد ، أي : لا يقصرون في فساد دينكم ، ولا يقصرون في إفساد أمركم. فهم يسعون في مخالفتنا ، وما يضرنا بكل ممكن ، وبما يستطيعون من المكر والخديعة. (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ) أي ودوا عنتكم والعنت : شدة الضرر ، والمشقة ، والحرج ، أي : يودون ويرغبون بما يشق عليكم ، ويحرجكم. فهؤلاء لا يتمنون إلا أن يضروكم في دينكم ودنياكم ، أشد الضرر وأبلغه ، ومن كانت هذه خبيئة نفسه فكيف تتخذه خاصة لك ، وبطانة ، وملازما ، ومستشارا ، ومستنصحا! (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) أي : إنهم مع ضبطهم أنفسهم ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين ، فإن بعض كلامهم يدل على بغضائهم. (وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ) من البغض لكم (أَكْبَرُ) مما بدا. لقد لاح على صفحات وجوههم ، وفلتات ألسنتهم من العداوة ، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ، ولهذا ذيلت الآية بقوله تعالى :
(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي : قد وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين ، وموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه ، وعدم اتخاذهم بطانة ؛ من أجل أن تعقلوا هذه الآيات فتفهموا ، وتعملوا. (ها أَنْتُمْ أُولاءِ) المتصفون بما يأتي مما يدل على خطئكم في واقع الأمر (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي :
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
