فهي نعمة تستوجب ذكرا وشكرا. (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) الشفا : الحرف والطرف ، أي : وكنتم على طرف حفرة من النار ؛ بما كنتم عليه من الكفر ليس بينكم وبين النار إلا أن تموتوا ، (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) أي : فأنقذكم الله منها بفضله وكرمه ، إذ هداكم للإسلام. (كَذلِكَ) أي : كمثل هذا البيان البليغ ، (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) أي : يوضحها لكم ، ويذكركم بها في قرآنه. (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي : لتهتدوا إلى الصواب ، وما ينال به الثواب. أو لتكونوا مهتدين.
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) تحتمل معنيين : الأول أن تكون (من) للبيان ، أي : ولتكونوا أمة ، ويكون هذا أمر لجميع الأمة بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والثاني : أن تكون (من) للتبعيض ، فيكون الأمر هنا لبعض الأمة أن يكون منها من يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وتكون المسألة من باب فروض الكفايات ، والأمة هنا الجماعة. (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.) الدعوة إلى الخير هي الدعوة إلى الكتاب والسنة ، والمعروف : ما استحسنه الشرع والعقل الذي لا يناقض الشرع ، أو ما وافق الكتاب والسنة ، أو هو الطاعة ، أو هو المباح والمندوب ، والواجب والفرض. والمنكر : ما استقبحه الشرع والعقل الموافق للشرع ، أو ما خالف الكتاب والسنة ، أو هو المعاصي ، أو هو المكروه والحرام. (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي : هم الأخصاء بالفلاح الكامل. (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) تفرقوا في العداوة ، واختلفوا في الديانة ، فكفر بعضهم بعضا. (مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) الواضحات الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة : وهي كلمة الحق. (وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) أي : يوم القيامة تبيض وجوه أهل الحق ، والجماعة ، والسنة (وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وجوه أهل الباطل ، والفرقة ، والبدعة ، أو تبيض وجوه المؤمنين ، وتسود وجوه الكافرين ، والبياض من النور ، والسواد من الظلمة ، وللمؤمن نوره ولو كان أسود اللون ، وللكافر ظلمته ولو كان أبيض. فالسواد والبياض عند الله إنما هما ظلمة الكفر ونور الإيمان فالعبرة لبياض القلب أو ظلمته. (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) فيقال لهم : (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) وهذا توبيخ لهم ، وتعجيب من حالهم ، وما المراد بالإيمان هنا؟ هل المراد به الإيمان في عالم الذر يوم الميثاق إذ قالت الأرواح مقرة لله بالربوبية : بلى؟ فيكون المراد بهذا الخطاب جميع الكفار ، أو المراد بالإيمان هنا الإيمان الدنيوي فيكون المراد بهذا أهل النفاق ، والمرتدين إذ كفروا بعد الإيمان ، أو كفروا باطنا ، وأظهروا الإيمان ظاهرا ، أو المراد به هنا إيمان أهل الكتاب ،
![الأساس في التفسير [ ج ٢ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3128_alasas-fi-altafsir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
