أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت : معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. ووجه آخر : وهو أنه إذا صحّ تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت ، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون. أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز ، فكأنه قال : وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. ولقائل أن يقول : مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله ، مثل عنكبوت يتخذ بيتا ، بالإضافة إلى رجل يبنى بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. قرئ : تدعون ، بالتاء والياء. وهذا توكيد للمثل وزيادة عليه ، حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فيه تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشيء ، لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلا ، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء ، الحكيم الذي لا يفعل شيئا إلا بحكمة وتدبير.
(وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)(٤٣)
كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون إنّ ربّ محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، ويضحكون من ذلك ، فلذلك قال (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) أى لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم ، لأنّ الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار حتى تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها للأفهام ، كما صوّر هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه (١)» :
(خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)(٤٤)
(بِالْحَقِ) أى بالغرض الصحيح (٢) الذي هو حق لا باطل ، وهو أن تكونا مساكن عباده وعبرة للمعتبرين منهم ، ودلائل على عظم قدرته : ألا ترى إلى قوله (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ونحوه قوله تعالى (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً) ثم قال (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)
__________________
(١) أخرجه داود بن المجبر في كتاب العقل والحارث بن أبى أسامة في مسنده عنه من حديث جابر ، وأخرجه من طريق الحارث الثعلبي والواحدي : والبغوي ، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
(٢) قال محمود : «أى بالغرض الصحيح» قال أحمد : لفظة قدرية ومعتقد ردىء قد تقدم إنكاره على القدرية ، ولو كان ما قالوه حقا من حيث المعنى ، لوجب اجتناب هذه العبارة التي لا تليق بالأدب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
![الكشّاف [ ج ٣ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3123_alkashaf-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
