فإن قلت : فما تصنع بقوله (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)؟ قلت : هي حكاية كلام حكاه إبراهيم عليه السلام لقومه ، كما يحكى رسولنا صلى الله عليه وسلم كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن فإن قلت : فإذا كانت خطابا لقريش فما وجه توسطهما بين طرفى قصة إبراهيم والجملة؟ أو الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه؟ ألا تراك لا تقول : مكة ـ وزيد أبوه قائم ـ خير بلاد الله؟ قلت : إيراد قصة إبراهيم ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تكون مسلاة له ومتفرجا بأنّ أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوّا بنحو ما مني (١) به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان ، فاعترض بقوله : وإن تكذبوا ، على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها ، لأن قوله (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) لا بد من تناوله لأمّة إبراهيم ، وهو كما ترى اعتراض واقع (٢) متصل ، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها ، لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله ، وهدم الشرك وتوهين قواعده ، وصفة قدرة الله وسلطانه ، ووضوح حجته وبرهانه. قرئ (يَرَوْا) بالياء والتاء. ويبدئ ويبدأ. وقوله (ثُمَّ يُعِيدُهُ) ليس بمعطوف على يبدئ ، وليست الرؤية واقعة عليه ، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت ، كما وقع النظر في قوله تعالى : (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على البدء دون الإنشاء ، ونحوه قولك : ما زلت أوثر فلانا وأستخلفه على من أخلفه (٣). فإن قلت : هو معطوف بحرف العطف ، فلا بد له من معطوف عليه ، فما هو؟ قلت : هو جملة قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ) وكذلك : وأستخلفه ، معطوف على جملة قوله : ما زلت أوثر فلانا (ذلِكَ) يرجع إلى ما يرجع إليه هو في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) من معنى يعيد. دل بقوله (النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على أنهما نشأتان ، وأن كل واحدة منهما إنشاء ، أى : ابتداء واختراع ، وإخراج من العدم إلى الوجود ، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله ، والأولى ليست كذلك. وقرئ : النشأة والنشاءة ، كالرأفة والرآفة. فإن قلت : ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) بعد إضماره في قوله : كيف بدأ الخلق؟
__________________
(١) قوله «كان ممنوا بنحو ماضى؟؟؟ به» أى : مبتلى. في الصحاح : منوته ومنيته ، إذا ابتليته. (ع)
(٢) قوله «وهو كما ترى اعتراض واقع» لعله : واقع موقعه. (ع)
(٣) قال محمود : «يعيده ليس معطوفا على يبدئ ، وإنما هو إخبار على حياله ، كما وقع (كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) كقولك ما زلت أوثر فلانا وأستخلفه بعدي» قال أحمد ، وقد تقدم له عند قوله تعالى (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أنه معطوف ، وصحح العطف ـ وإن كانوا ينكرون الاعادة ـ لأن الاعتراف بها لازم لهم ، وقد أبى هاهنا جعله معطوفا ، فالفرق والله أعلم أنه هاهنا لو عطف الاعادة على البداءة لدخلت في الرؤية الماضية ، وهي لم تقع بعد ، ولا كذلك في آية النمل ، ولقائل أن يقول : هي وإن لم تقع ، إلا أنها باخبار الله تعالى بوقوعها كالواقعة المرئية ، فعوملت معاملة ما رئي وشوهد إلا أن جعله خبرا ثانيا أوضح ، والله أعلم.
![الكشّاف [ ج ٣ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3123_alkashaf-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
