فإذا أدخلت حرف الجرّ على «من» فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك ، كأنك تقول : أعلى من تنزّل الشياطين ، كقولك : أعلى زيد مررت. فإن قلت : (يُلْقُونَ) ما محله؟ قلت :يجوز أن يكون في محل النصب على الحال ، أى : تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجرّ صفة لكل أفاك ، لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف ، كأن قائلا قال : لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت. فإن قلت : كيف قيل (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك ، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكى عن الجنى ، وأكثرهم مفتر عليه. فإن قلت : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) ، (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ) لم فرق بينهنّ وهنّ أخوات؟ قلت : أريد التفريق بينهنّ بآيات ليست في معناهنّ ، ليرجع إلى المجيء بهنّ وتطرية ذكر ما فيهنّ كرّة بعد كرّة : فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. ومثاله : أن يحدّث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية ، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)(٢٢٦)
(وَالشُّعَراءُ) مبتدأ. و (يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) خبره : ومعناه : أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ، والنسيب بالحرم والغزل (١) والابتهار ، ومدح من لا يستحق المدح ، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم ـ إلا الغاوون والسفهاء والشطار. وقيل : الغاوون : الراوون. وقيل : الشياطين ،
__________________
ـ بشدتنا ، بفتح الشين. يقال : شد على قرنه في الحرب : حمل عليه ، أى سلهم عن صولتنا عليهم ، وجعل البصريون الباء بعد السؤال للسببية ، لا بمعنى عن ، والأصل في الاستفهام الهمزة ، ولذلك كان لها تمام التصدير في الكلام ، وأصل «هل» بمعنى «قد» ، «ومن» لمن يفعل ، «وما» لما لا يفعل. «ومتى» للزمان ، وهكذا بقية الأدوات موضوعة لمعان غير الاستفهام ، فليست عريقة فيه ، بل الهمزة مقدرة قبلها ، ولذلك تظهر في بعض الأحيان كما في البيت ، ويدخل عليها حروف الجر ، ويضاف إليها غيرها : لكن لكثرة الاستعمال فيه صارت الهمزة نسيا منسيا في حيز الإهمال ، والاستفهام هنا للتقرير ، «وهل» بمعنى «قد» ، وأنكر ذلك ابن هشام. ونقل عن السيرافي أن الرواية : أم هل ، فأم بمعنى «بل» «وهل» للاستفهام : قال : وعلى صحة الأولى فهل مؤكدة للهمزة شذوذا اه ويروى : فهل رأونا. ويجوز أن معناه : سلهم فقد رأونا. والسفح : السطح أو أصل الجبل المنسطح. والقاع المستوى من الأرض. والأكم ـ بالفتح ـ : واحده أكمة ، وجمعه أكم بالضم ، وهي التلول المرتفعة.
(١) قوله «والنسيب بالحرم والغزل» النسيب : أى التشبيب. والغزل : محادثة النساء ومراودتهن. والابتهار : ادعاء الشيء كذبا ، كذا في الصحاح في مواضع. (ع)
![الكشّاف [ ج ٣ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3123_alkashaf-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
