توليهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك. وقرئ : الجبلة ، بوزن الأبلة. والجبلة (١) ، بوزن الخلقة. ومعناهنّ واحد ، أى : ذوى الجبلة ، وهو كقولك : والخلق الأوّلين.
(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ)(١٨٦)
فإن قلت : هل اختلف المعنى بإدخال الواو هاهنا وتركها في قصة ثمود؟ قلت : إذا أدخلت الواو فقد قصد معنيان : كلاهما مناف للرسالة عندهم : التسحير والبشرية ، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا ولا يجوز أن يكون بشرا ، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا ، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم. فإن قلت : إن المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظنّ وثانى مفعوليه؟ قلت : أصلهما أن يتفرقا على المبتدإ والخبر ، كقولك : إن زيد لمنطلق ، فلما كان البابان ـ أعنى باب كان وباب ظننت ـ من جنس باب المبتدإ والخبر ، فعل ذلك في البابين فقيل : إن كان زيد لمنطلقا ، وإن ظننته لمنطلقا.
(فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(١٨٧)
قرئ : كسفا بالسكون والحركة ، وكلاهما جمع كسفة ، نحو : قطع وسدر. وقيل : الكسف والكسفة ، كالريع والريعة ، وهي القطعة. وكسفه : قطعه. والسماء : السحاب ، أو المظلة. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب. ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه. والمعنى : إن كنت صادقا أنك نبىّ ، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء.
(قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ)(١٨٨)
(رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) يريد : أنّ الله أعلم بأعمالكم وبما تستوجبون عليها من العقاب ، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل ، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة
(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(١٨٩)
__________________
(١) قوله «الأبلة والجبلة» في الصحاح «الأبلة» بالضم وتشديد اللام : الغدرة من التمر. وفيه «الغدرة» : القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة. وفيه أيضا : الجبلة الخلقة. ومنه قوله تعالى (وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) وقرأها الحسن بالضم اه (ع)
![الكشّاف [ ج ٣ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3123_alkashaf-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
