أليس أعمى لا يبصر؟ قال : أفعميا وان أنتما؟ (١) ألستما تبصرانه؟ فإن قلت : لم قدّم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلت : لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور ، والبلوى فيه أشدّ وأكثر ، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. الزينة : ما تزينت به المرأة من حلىّ أو كحل أو خضاب ، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة (٢) والكحل والخضاب. فلا بأس بإبدائه للأجانب ، وما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها : للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر ، لأنّ هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء ، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن ، فنهى عن إبداء الزين نفسها. ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع ـ بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مفال في حله ـ كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ، ثابت القدم في الحرمة ، شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها (٣) فإن قلت. ما تقول في القراميل (٤) ، هل يحل نظر هؤلاء إليها؟ قلت : نعم. فإن قلت : أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها ، وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذى ما تحت السرة؟ قلت : الأمر كما قلت ، ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي ، لأنه لا يقع إلا فوق اللباس ، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلا عن هؤلاء ، إلا إذا كان يصف لرقته فلا يحل النظر إليه ، فلا يحل النظر إلى القراميل واقعة عليه. فإن قلت : ما المراد بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله ، أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت : الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية ، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة : الوجه موقع الكحل في عينيه ، والخضاب
__________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة وأبو يعلى والطبراني كلهم من رواية بنهان كاتب أم سلمة عنها. قال النسائي : لا نعلم رواه عن بنهان إلا الزهري وقال إسحاق في مسنده : أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا مغول عن يونس عن الزهري عن نهان عن أم سلمة قالت «استأذن ابن أم مكتوم وأنا وزينب عنده ـ الحديث. ومندل ضعيف خالف في ذكر زينب بدل ميمونة.
(٢) قوله «والفتخة ... الخ» في الصحاح : الفتخة ـ بالتحريك ـ حلقة من فضة لا فص فيها ، فإذا كان فيها فص فهو الخاتم ، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها. وفيه «الإكليل» شبه عصابة تزين بالجوهر ، ويسمي التاج : إكليلا. (ع)
(٣) قال محمود : «المراد النهي عن إبداء مواضع الزينة ، فليس النهى عن إظهار الزينة مقصودا لعينه ، ولكن جعل نفسها كناية عن إبداء مواقعها بطريق الأولى» قال أحمد : وقوله تعالى عقيب ذلك (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ) محقق أن إبداء الزينة بعينه مقصودا بالنهى ، لأنه قد نهى عما هو ذريعة إليه خاصة ، إذ الضرب بالأرجل لم يعلل النهى عنه إلا بعلم أن المرأة ذات زينة وإن لم تظهر ، فضلا عن مواضعها ، والله أعلم.
(٤) قوله «القراميل» في الصحاح : القراميل ، ما تشده المرأة في شعرها. (ع)
![الكشّاف [ ج ٣ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3123_alkashaf-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
