الملك ، وتكليمه : أن يخلق الكلام (١) منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح وروى : أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة. وعن ابن عباس رضى الله عنه : كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة ، وكتب له الألواح. وقيل إنما كلمه في أول الأربعين (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ثانى مفعولي أرنى محذوف (٢) أى أرنى نفسك أنظر إليك. فإن قلت :
__________________
ـ موسى لذلك ، لكان كل أحد يساوى موسى عليه السلام في ذلك ، بل كان آحاد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام آثر بهذه المزية وأحق بالخصوصية من موسى عليه السلام ، لأنهم سمعوا الكلام على الوجه المذكور من أفضل الأجرام وأزكاها خلقاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت مزيتهم أظهر وخصوصيتهم أوفر. ونحن نعلم ضرورة من سياق هذه الآية تمييز موسى عليه الصلاة والسلام بهذه المزية ، فلا يحمل لذلك إلا اعتقاد أنه سمع الكلام القديم القائم بذات الله سبحانه وتعالى بلا واسطة دليل عليه من حروف ولا غيرها ، وكما أجزنا من المعقول أن ترى ذات الباري سبحانه وتعالى وإن لم يكن جسما ، فكذلك نجيز أن يسمع كلامه وإن لم يكن حرفا ولا صوتا. والكلام في هذه العقيدة طويل ، والشوط بطين. وهذه النكتة هي الخاصة بهذه الآية ، والله الموفق.
(١) قوله «وتكليمه أن يخلق الكلام» هذا على مذهب المعتزلة : أن كلامه تعالى ألفاظ يخلقها الله في بعض الأجرام. أما على مذهب أهل السنة ، فان كلامه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته ، فتكليمه لعبده أن يكشف له عنها ، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)
(٢) عاد كلامه. قال : «وقوله أرنى أنظر إليك محذوف المفعول الأول مذكور الثاني ، والتقدير أرنى نفسك أنظر إليك ... الخ» قال أحمد : ما أشد ما اضطرب كلامه في هذه الآية ، لأن غرضه أن يدحض الحق بالضلالة ، ويشين بكفه وجه الغزالة ، هيهات قد تبين الصبح لذي عينين ، فالحق أبلج لا يمازجه ريب إلا عند ذى رين. أما حظ المعقول من إجازة رؤية الله تعالى فوظيفة علم الكلام ، وأخصر وجه في إجادة ذلك : أن الوجود مصحح الرؤية ، بدليل أن جواز الرؤية حكم يستدعي مصححاً. وقد شمل الجواز الجوهر والعرض ، ولا جامع بينهما يمكن جعله مصححاً سوى الوجود ، وإذا كان الوجود هو المصحح فقد صحت رؤيته تعالى لوجوده. وأما استبعاد أن يرى ما ليس في جهة فأمر وهمى مثله عرض للمعطلة فعميت بصائرهم ، حتى أنكروا موجوداً لا في جهة ، ومن اتبع الأوهام اغتسق مهامه الضلال وهام ، ولو كانت الرؤية تتوقف على جهة المرئي لكانت المعرفة تتوقف على جهة المعروف ، ولا خلاف أنه سبحانه يعرف لا في جهة ، فكذلك يرى لا في جهة ، فالحق أن موسى عليه السلام إنما طلب الرؤية لنفسه ، لعلمه بجواز ذلك على الله تعالى ، والقدرية يجبرهم الطمع ويجرؤهم حتى يروموا أن يجعلوا موسى عليه السلام كان على معتقدهم ، وما هم حينئذ إلا ممن آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها «وأما قوله عليه السلام : (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) تبريا من أفاعيلهم وتسفيها لهم وتضليلا لرأيهم ، فلا راحة للقدرية في الاستشهاد به على إنكار موسى عليه السلام لجواز الرؤية ، فان الذي كان الإهلاك بسببه إنما هو عبادة العجل في قول أكثر المفسرين ثم. وإن كان السبب طلبهم الرؤية ، فليس لأنها غير جائزة على الله. ولكن لأن الله تعالى أخبر أنها لا تقع في دار الدنيا والخبر صدق ، وذلك بعد سؤال موسى للرؤية فلما سألوا وقد سمعوا الخبر بعدم وقوعها ، كان طلبهم خلاف المعلوم تكذيباً للخبر ، فمن ثم سفههم موسى عليه السلام وتبرأ من طلب ما أخبر الله أنه لا يقع ثم ، ولو كان سؤالهم الرؤية قبل إخبار الله تعالى بعدم وقوعها ، فإنما سفههم موسى عليه السلام لاقتراحهم على الله هذه الآية الخاصة ، وتوقيفهم الايمان عليها حيث قالوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً) ألا ترى أن قولهم (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) إنما سألوا فيه جائزاً ، ومع ذلك قرعوا به لاقتراحهم على الله مالا يتوقف وجوب الايمان عليه ، فهذه المباحث الثلاثة توضح لك سوء نظر الزمخشري بعين الهوى وعمايته عن سبيل الهدى ، والله الموفق.
![الكشّاف [ ج ٢ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3120_alkashaf-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
