(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ)(١٧)
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ) المزين هو الله سبحانه وتعالى (١) للابتلاء ، كقوله : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) ويدل عليه قراءة مجاهد : زين للناس ، على تسمية الفاعل. وعن الحسن : الشيطان. والله زينها لهم ، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها (حُبُّ الشَّهَواتِ) جعل الأعيان التي ذكرها شهوات (٢) مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات ، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالهيمية ، وقال : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء بالتفسير ، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير ، ثم يفسره بهذه الأجناس ، فيكون أقوى لتخسيسها ، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله. والقنطار : المال الكثير. قيل : ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير : مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.
__________________
(١) قال محمود : «المزين هو الله تعالى ... الخ» قال أحمد : التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إلى الله تعالى حقيقة ، لأنه لا خالق إلا هو خالق كل شيء ، من جوهر ، ومن عرض قائم بالجوهر ، حب أو غيره. محمود في الشرع أولا. ويطلق التزيين ويراد به الحض على تعاطى الشهوات والأمر بها ، فهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله تعالى منه إلا الحض على بعض الشهوات المنصوص عليها شرعا كالنكاح المقترن بقصد التناسل واتباع السنة فيه وما يجرى مجراه. وأما الشهوات المحظورة فتزيينها بهذا المعنى الثاني مضاف إلى الشيطان ، تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها. وكلام الحسن رضى الله عنه محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول ، فانه يحاشى أن ينسب خلق الله إلى غير الله. وإنما الزمخشري كثيراً ما يورد أمثال هذه العبارة الملتبسة تنزيلا لها على قواعد القدرية الفاسدة ، فتفطن لها وبريء قائلها من السلف الصالح عما يزعم الزمخشري النقل عنه ، والله الموفق.
(٢) (عاد كلامه) قال : «جعل الأعيان التي ذكرها شهوات ... الخ» قال أحمد : يريد إلحاقها بباب : رجل صوم وفطر ، مما يوضع فيه المعنى موضع الاسم مبالغة.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
