لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(٢٠٩)
السلم) بكسر السين وفتحها. وقرأ الأعمش بفتح السين واللام ، وهو : الاستسلام والطاعة ، أى استسلموا لله وأطيعوه (كَافَّةً) لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته. وقيل هو الإسلام. والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم ، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم. ويجوز أن يكون كافة حالا من السلم ، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال :
|
السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ |
|
وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ (١) |
على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها. وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها ، وأن لا يُخلوا بشيء منها. وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن رسول الله
__________________
|
(١) أبا خراشة أما أنت ذا نفر |
|
فان قومي لم تأكلهم الضبع |
|
إن تك جلمود بصر لا أؤبسه |
|
أوقد عليه فأحميه فينصدع |
|
السلم تأخذ منها ما رضيت به |
|
والحرب يكفيك من أنفاسها جرع |
للعباس بن مرداس يخاطب خفاف بن ندبة. وأما أنت : أصله لأن كنت ، فحذفت لام التعليل وكان الناقصة ، فانفصل ضميرها ونابت عنها ما ، وأدغمت فيها أن المصدرية. وقال الكوفيون تأتى «أن» بالفتح شرطية كان بالكسر ، وعلى هذا فلا حاجة لتقدير لام التعليل ، والمعنى على الشرط والجواب. والضبع : السنة المجدبة ، أو الحيوان المعروف. والبصر : حجارة تضرب إلى بياض ، واحدة بصرة. وقيل هي بمعناه ، وأبسه تأبيساً : ذلله وكسره. يقول يا أبا خراشة ، لأن كنت صاحب جيش افتخرت على ، لا تفعل ذلك فان قومي موجودون كثيرون. وكنى عن ذلك بعدم أكل الضبع إياهم. ويحتمل أن فيه تعريضا أيضا ، ثم قال : إن تكن كصخر من الحجارة لا أقدر على تأبيسه وتكسيره لصلابته ، أو قد عليه نار الحرب بمعاونة الفرسان لي فأحرقه فينشق وينكسر ؛ فالايقاد استعارة مصرحة ، والاحماء ترشيح. أو إن لم أغلبك على العادة تحيلت حتى أغلبك ، كما يتحيل بكسر الحجر بالنار. وأتى بضمير الغيبة نظراً للخبر ، ورفع أحميه وينصدع بعد الشرط المضارع قليل ضعيف ، سيما مع عطفهما على المجزوم ، ولعله توهم جزمه. والسلم بالفتح وبالكسر : الصلح تأخذ منها ما يكفيك من طول المدة ، أو تأخذ منا بسببها. وأما الحرب فيكفيك منها القليل ، فتنكير جرع للتقليل. وشبه الحرب بنار منحبسة في ظرف ذى منافذ تخرج منها أنفاس ، وشبه الأنفاس بماء على طريق المكنية والأنفاس تخييل للأولى والجرع تخييل للثانية ، وفيها نوع تهكم حيث شبه الحار بالبارد ، كأنه يسقيه من أنفاسها. ويروى «في السلم تأخذ منا ما رضيت به» أى تأخذ منا شيئا كثيراً في زمن الصلح ، ولا تطيق من حربنا إلا قليلا ؛ لكن هذه الرواية إنما تدل على تأنيث السلم ، بطريق المقابلة للحرب.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
