(كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علىّ رضى الله عنه : أوّلهم آدم ، يعنى أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم ، لم يفرضها عليكم وحدكم (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها ، أو لعلكم تتقون المعاصي ، لأنّ الصائم أظلف لنفسه (١) وأردع لها من مواقعة السوء. قال عليه السلام : «فعليه بالصوم (٢) فإنّ الصوم له وجاء (٣)» أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين ، لأنّ الصوم شعارهم. وقيل معناه : أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان ، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان ، فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده. فجعلوه خمسين يوماً. وقيل : كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد ، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع ، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله عن وقته. وقيل : الأيام المعدودات : عاشوراء ، وثلاثة أيام من كل شهر. كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامها حين هاجر. ثم نسخت بشهر رمضان. وقيل : كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا ، ثم نسخ ذلك بقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ) ... الآية. ومعنى (مَعْدُوداتٍ) موقتات بعدد معلوم. أو قلائل ، كقوله : (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال هيلا ويحثى حثيا. وانتصاب أياماً بالصيام ، كقولك : نويت الخروج يوم الجمعة (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أو راكب سفر (فَعِدَّةٌ) فعليه عدّة. وقرئ بالنصب بمعنى : فليصم عدّة وهذا على سبيل الرخصة. وقيل : مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) واختلف في المرض المبيح للإفطار ، فمن قائل : كل مرض ، لأنّ الله تعالى لم يخص مرضا دون مرض كما لم يخص سفراً دون سفر ، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر ، فكذلك كل مريض. وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه. وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه ، فقال : إنه في سعة من الإفطار. وقائل : هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه ، لقوله تعالى (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) وعن الشافعي : لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل. واختلف أيضاً في القضاء فعامّة العلماء على التخيير. وعن أبى عبيدة بن الجرّاح رضى الله عنه : «إنّ الله لم يرخص لكم في
__________________
(١) قوله «لأن الصائم أظلف لنفسه» في الصحاح : ظلف نفسه عن الشيء منعه عنه. وظلفت نفسي عن كذا ـ بالكسر ـ : كلست (ع)
(٢) قوله «قال عليه السلام فعليه بالصوم» صدره : يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم الخ. (ع)
(٣) متفق عليه من حديث ابن مسعود
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
