وقال : (١)
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا (٢)
أراد ثمن الإكاف ، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل : نفى الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل : لا يكلمهم بما يحبون ، ولكن بنحو قوله : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ). (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم ، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن ، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل : فما أصبرهم ، فأى شيء صبرهم. يقال : أصبره على كذا وصبره بمعنى.
__________________
ـ تزوج امرأة فلم توافقه ، فقيل له : إن حمى دمشق سريعة في موت النساء ، فحملها إليها وقال لها ذلك ، ونزل دمشق ـ وهي مدينة بالشام ـ منزلة العاقل فناداها. والظاهر أن هذا التنزيل من باب الاستعارة المكنية والنداء تخييل ، وكذلك الأمر بالعلم ، والمرور : المشي ، فاسناده لليلة مجاز عقلى من الاسناد للزمان ، وهو في الحقيقة لحملة النعش ، أو بمعنى المضي فهو حقيقة والباء للملابسة ، وهو كناية عن موتها. والعودان : طرفا النعش. وجعل تلك الليلة كليلة القدر عنده لشدة ترقبها وتمنيها والتشوق إليها ، ثم التفت إلى خطابها ودعا على نفسه بقوله : أكلت دما ، أى دية ، لأنها بدل الدم وأخذها عار عند العرب ، لدلالتها على الجبن وحب المال دون الثأر. وإن لم أرعك : من راعه يروعه إذا أخافه. والمراد أنه يغيظها بتزوج ضرة عليها جميلة طويلة العنق. فبعد مهوى القرط : كناية عن ذلك. والقرط : حلى الأذن. ومهواه : مسقطه من المنكب. والنشر : الرائحة الطيبة. ويحتمل أنه دعا على نفسه بالجدب حتى يحتاج لفصد النوق وأكل دمها ، وكذلك كانت تفعل الجاهلية في الجدب. ويحتمل أن المراد : شربت دما ، فهو تعليق على الممتنع عنده دلالة على تحقيق التزوج ، لأنه يرجع إلى أن عدم التزوج ممتنع كما أن شرب الدم ممتنع. ونظيره ما أنشده أبو إياس :
|
أمالك عمر إنما أنت حية |
|
إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر |
|
ثلاثين حولا لا أرى منك راحة |
|
لهنك في الدنيا لباقية العمر |
|
دمشق خذيها لا تفتك قليلة |
|
تمر بعودى نعشها ليلة القدر |
|
فان أنفلت من عمر صعبة سالما |
|
تكن من نساء الناس لي بيضة العقر |
ولعل «العمر» في القافية الأولى بمعنى الدهر. ولهنك هاؤه بدل من همزة إن عند البصريين ، وعند غيرهم أصله : لله إنك. وبيضة العقر : زعموا أنها بيضة الديك لا يبيض في عمره غيرها. وقيل : هي مثل لما لا وجود له أصلا. فالمعنى : أنه يتزوج جميلة لا يتزوج غيرها ، أو أنه لا يتزوج أصلا. وصعبة هي امرأته.
|
(١) إن لنا أحمرة عجافا |
|
يأكلن كل ليلة إكافا |
الأحمرة : الحمير. والعجاف : المهازيل. والأكاف : البرذعة ، فالمراد : يأكلن كل ليلة علفا مشترى بثمن إكاف ، بأن يباع الأكاف ثم يشترى بثمنه علفا لها ، فأوقع الأكل على الأكاف بواسطتين ، ولعل بيع براذعها لضعفها عن العمل. ويمكن أنه مجرد تقديم ، وإنما خص الاكاف لاختصاصه بالحمير.
(٢) قوله «كل ليلة إكافا» هو ما يوضع على ظهر الحمار عند ركوبه أو تحميله. أفاده الصحاح. (ع)
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
