(فِي شِقاقٍ) أى في مناوأة ومعاندة (١) لا غير ، وليسوا من طلب الحق في شيء. أو : وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) ضمان من الله لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بنى النضير. ومعنى السين أنّ ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وعيد لهم ، أى يسمع ما ينطقون به ، ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه. أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى : يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق ، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.
(صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ)(١٣٨)
(صِبْغَةَ اللهِ) مصدر مؤكد منتصب على قوله : (آمَنَّا بِاللهِ) كما انتصب (وعد الله) عما تقدمه ، وهي «فعلة» من صبغ ، كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى : تطهير الله ، لأن الإيمان يطهر النفوس. والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو تطهير لهم ، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم : قولوا آمنا بالله ، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا. أو يقول المسلمون. صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم. وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة ، كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرم (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) يعنى أنه يصبغ عباده بالإيمان ، ويطهرهم به من أو ضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغته. وقوله (وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ) عطف على آمنا بالله. وهذا العطف يردّ قول من زعم أن (صِبْغَةَ اللهِ) بدل من (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) أو نصب على الإغراء بمعنى : عليكم صبغة الله ، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه ، (٢) وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام
(قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
__________________
(١) قوله : «في مناوأة ومعاندة» في الصحاح : ناوأت الرجل مناوأة ونواء ، عاديته. وربما لم يهمز. وأصله الهمز. (ع)
(٢) قوله «واتساقه» في الصحاح : الاتساق الانتظام. وفيه أيضا : التنسيق التنظيم. (ع)
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
