ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب (١) (الْبَيِّناتِ) المعجزات الواضحات والحجج ، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات. وقرئ : وآيدناه. ومنه : آجده بالجيم (٢) إذا قوّاه. يقال : الحمد لله الذي آجدنى بعد ضعف ، وأوجدنى بعد فقر. (بِرُوحِ الْقُدُسِ) بالروح المقدّسة ، كما تقول : حاتم الجود ، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال : (وَرُوحٌ مِنْهُ) فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل : لأنه لم تضمه الأصلاب ، ولا أرحام الطوامث. وقيل بجبريل. وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن : (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيى الموتى بذكره. والمعنى : ولقد آتينا يا بنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ) منهم بالحق (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان به ، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد : ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء لعطفه على المقدّر. فإن قلت : هلا قيل وفريقا قتلتم؟ (٣). قلت : هو على وجهين : أن تراد الحال الماضية ، (٤) لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب ، وأن يراد : وفريقا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لو لا أنى أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه وسممتم
__________________
ـ قال أبو عمرو : من رام بريم ، ومعناه بقي أو ذهب. وريمت السحابة تريما : دامت ، لدوامها على المودة ، أو لخروجها من بيتها. والضليل كثير الضلال. والصبا : الميل إلى الجهل والفتوة. وتندمه : بمعنى ندمه ، فهر مصدر مرفوع فاعل ضليل. ولعل معناه أن ندمه ضال ضائع في أهواء الصبا. ويروى «مندمه» بصيغة اسم الفاعل. وضليل : مرفوع على الابتداء ، ومندمه خبره. ولعل معناه أن الرجل كثير الضلال يعنى نفسه هو الذي يندمه ويجعله نادما ، أى يأمره بالندم. وقال عبد الحكيم على البيضاوي نقلا عن الكشف : أى قلت له من كثر ضلاله يكون مندم نفسه وموقعها في الندامة. واللام في قوله لزير للتعليل ؛ أى قلت ذلك القول لأجله ، هذا توجيه ما قيل فيه. ولو جعلت ضليل صفة زير كالوجه الأول ، وتندمه فعل أمر مقول القول ، حرك بالضم لالتقائه ساكناً مع هاء السكت ولمناسبة القافية لجاز : أى قلت له تندم وتب ، لكن فيه تكلف شاذ.
(١) قوله «عثير وعليب» العثير : الغبار. وعليب : اسم واد. (ع)
(٢) قوله «ومنه آجده بالجيم» وأصله ما يقال : ناقة أجد ، أى قوية موثقة الخلق أفاده الصحاح. (ع)
(٣) قال محمود رحمه الله : «إن قلت هلا قيل وفريقاً قتلتم ... الخ» قال أحمد رحمه الله : والتعبير بالمضارع يفيد ذلك دون الماضي ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) فعبر بالماضي ثم قال : فتصبح الأرض مخضرة ، فعدل عنه إلى المضارع إرادة لتصوير اخضرارها في النفس. وعليه قوله ابن معديكرب يصور شجاعته وجرأته :
|
فانى قد لقيت القرن أسعى |
|
بسهب كالصحيفة صحصحان |
|
فآخذه فأضربه فيهوى |
|
صريعا لليدين وللجران |
(٤) قوله «أن تراد الحال الماضية» لعله : أن تراد حكاية الحال. (ع)
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
