روادفه ، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك : شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس ، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر ، وعلى المرأة بأنها فراش (١)
والعهد : الموثق. وعهد إليه في كذا : إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه : إذا اشترط عليه واستوثق منه : والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله : أحبار اليهود المتعنتون ، أو منافقوهم ، أو الكفار جميعاً. فإن قلت : فما المراد بعهد الله؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم ، وهو معنى قوله تعالى : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول ـ يصدقه الله بمعجزاته ـ صدّقوه واتبعوه ، ولم يكتموا ذكره فيما تقدّمه من الكتب المنزلة عليهم ، كقوله : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه : «سأنزّل عليك كتاباً فيه نبأ بنى إسرائيل ، وما أريته إياهم من الآيات ، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به ، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق الله تعالى وأوفوا بعهده ، ونصره إياهم ، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده ، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليهما وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يبغى بعضهم على بعض ، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرّية آدم ، الإقرار بربوبيته (٢) وهو قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) ، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه ، وهو قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) وعهد خصّ به العلماء وهو قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ). والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه ، كما أنّ الميعاد والميلاد ، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى ، أى من بعد توثقته عليهم ، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ، وقيل قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة
__________________
(١) قوله «وعلى المرأة بأنها فراش» بناء على أن الوثارة لين الفراش خاصة. (ع)
(٢) قوله «الإقرار بربوبيته» لعله من الإقرار. (ع)
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
