وقرأ ابن كثير في رواية شبل (يستحى) بياء واحدة. وفيه لغتان : التعدي بالجارّ والتعدي بنفسه. يقولون : استحييت منه واستحييته ، وهما محتملتان هاهنا.
وضرب المثل : اعتماده وصنعه ، من ضرب اللبن وضرب الخاتم. وفي الحديث «اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب» (١) و (ما) هذه إبهامية (٢) وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعا وعموما ، كقولك : أعطنى كتابا مّا ، تريد أى كتاب كان. أو ضلة للتأكيد ، كالتي في قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) كأنه قيل : لا يستحيى أن يضرب مثلا حقاً أو البتة ، هذا إذا نصبت (بَعُوضَةً) فإن رفعتها فهي موصولة ، (٣) صلتها
__________________
ـ أى إذا خشين من عرض نفسه عليهن ، أو امتنعن منه. وروى «استجبن» بالجيم فالموحدة ، أى أطعنه في عرض نفسه عليهن. وجملة «يعرض نفسه» حالية. واستعار السبت بالكسر ـ وهو الجلد المدبوغ بالقرظ ـ لمشافر النوق على طريق التصريح. وكذلك استعار الإناء من الورد للبركة التي كثر زهرها ونورها ، وإن لم يكن ذلك الإناء موجوداً و «في» بمعنى «من». ويجوز أنه جعل الأرض ظرفا للشرب.
(١) أخرجه مسلم من حديث أنس رضى الله عنه.
(٢) قال محمود رحمه الله : «وما هذه إبهامية ... الخ». قال أحمد رحمه الله : وفيها وهم إمام الحرمين في تقرير نصوصية العموم في قوله عليه الصلاة والسلام : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ... الحديث» فانه قرر العموم والإبهام في أى ، ثم قال : فإذا انضافت إليها ما الشرطية كان ذلك أبلغ في اقتضاء العموم ، فاعتقد أن المؤكدة هي الشرطية ، وإنما هي حرف مزيد لهذا الغرض. وأما «ما» الشرطية فاسم كمن. والله الموفق.
(٣) قال محمود : «هذا إذا نصبت بعوضة ، فان رفعتها فهي موصولة ... إلى قوله : ووجه آخر جميل وهو أن تكون ... الخ». قال أحمد : حملها على الاستفهامية بالمعنى الذي قرره : فيه نظر ؛ لأن قوله تعالى «فما فوقها» في الحقارة فيكون معناه : فما دونها. وإما أن يراد فما هو أكبر منها حجما. وعلى كلا التقديرين يتقدر الاستفهام ؛ لأنه إنما يستعمل في مثل : ما دينار وديناران ، أى إذا جاد بالكثير فما القليل. وإذا ذهبت في الآية هذا المذهب لم تجد لصحته مجالا ، إذ يكون الراد : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا بالمحقرات ، فما البعوضة وما هو أحقر منها. وقد فرضنا أنها في أحد الوجهين نهاية في المحقرات ، وفي الوجه الآخر ليست نهاية ، بل النهاية في قوله : (فَما فَوْقَها) أى دونها. فإذا حمل ما بعد الاستفهام على النهاية في الوجهين جميعاً لم ينتظم التنبيه المذكور ، بل ينعكس الغرض فيه ؛ إذ المقصود في مثل قولنا : فلان لا يبالى بعطاء الألوف فما الدينار الواحد ـ التنبيه على أن إعطاء القليل منه محقق بعطائه الكثير بطريق الأولى ، ولا يتحقق في الآية على هذا التقدير أنه لا يستحي من ضرب المثل بالمحقرات التي لا تبلغ النهاية ، فكيف يستحي من ضرب المثل بما يبلغ النهاية في الحقارة كالبعوضة. هذا عكس لنظم الأولوية ، ولو كانت الآية مثلا واردة على غير هذا التكلم كقول القائل : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا بالبعوضة التي هي نهاية في الحقارة ، فما الأنعام التي هي أبهى من البعوضة أو أبعد منها عن الحقارة بما لا يخفى ، لكان تقرير الزمخشري متوجها ، وما أراه والله أعلم إلا واهما في هذا الوجه. وما طولت النفس ووسعت العبارة في الاعتراض عليه ، إلا أنه محل ضيق ومعنى متعاص لا يخلص إلى الفهم إلا بهذا المزيد من البسط. وناهيك بموضع العكس على فهم الزمخشري بل مع تعود فهمه وإصابة نسجه ، خصوصا في تنسيق المعاني وتفصيلها والله الموفق. وما تبجحه بالعثور على الوجه ـ
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
