أى نحلا طوالا. والتركيب دائر على معنى الستر ، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة ، من مصدر جنه إذا ستره ، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها. وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان. فإن قلت : الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت : قد اختلف في ذلك. والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام ، كالنبي والرسول والكتاب ونحوها. فان قلت : ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت : الجنة اسم لدار الثواب كلها ، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين ، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان. فان قلت : أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر ؛ وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت : لما جعل الثواب مستحقا بالإيمان والعمل الصالح ، والبشارة مختصة بمن يتولاهما ، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء ، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه ، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحساناً ، وأعلم بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، وقال تعالى المؤمنين : (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر. فان قلت : كيف صورة جرى الأنهار من تحتها؟ قلت : كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية. وعن مسروق : أن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة ، والأنهار في خلالها مطردة. ولو لا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية
__________________
ـ علامة الحسن. وقيل أصله جمع اسم. وعلق : مبنى للمجهول. والقلب : نائب فاعل. وما علق ـ بالتخفيف ـ : مفعوله ، أى ما تعلق به منها وهو الحب والتحسر والتحزن على سفرها. ولم يعينه دلالة على التكثير والتهويل ولما اشتغل قلبه بها ، فكأنها أخذته معها ؛ ولذلك ادعى أنها أخذته رهنا على سبيل الاستعارة المصرحة ، ورشحها بقوله : لا فكاك له : وغلق الرهن ـ بالكسر ـ : إذا امتلكه الدائن ويأس صاحبه من رجوعه إليه ، ثم قال : كأن عينى من شدة البكاء وكثرة الدموع عينان في دلوين عظيمتين ممتلئتين ماء ، تحملهما ناقة مقتلة مذللة معتادة على العمل من الإبل النواضح التي يستقى عليها ، تسقى تلك الناقة جنة «سحقا» بضمتين : جمع سحوق ، أى نخلا طوالا جهة السماء ، أو بعيدة عن محل الماء ، فهي دائمة ذاهبة آئبة. ولقد خاطب نفسه أولا كأنه يخبرها بسفر أسماء لفرط جزعه ، ثم التفت كأنه يشتكى للناس في قوله : كأن عينى.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
