أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل : حرف مقتضب لتأكيد نفى المستقبل. فإن قلت : من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت : لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه ، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال ، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه ، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة. فإن قلت : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت : إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا ، استوجبوا العقاب بالنار ؛ فقيل لهم : إن استبنتم العجز فاتركوا العناد ؛ فوضع (فَاتَّقُوا النَّارَ) موضعه ، لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد ، من حيث أنه من نتائجه ؛ لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه : إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطى. يريد : فأطيعونى واتبعوا أمرى ، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن ، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته ، مشيعاً ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها.
والوقود : ما ترفع به النار. وأمّا المصدر فمضموم ، وقد جاء فيه الفتح. قال سيبويه :
وسمعنا من العرب من يقول : وقدت النار وقوداً عاليا. ثم قال : والوقود أكثر ، والوقود الحطب. وقرأ عيسى بن عمر الهمدانىّ ـ بالضم ـ تسمية بالمصدر ، كما يقال : فلان فخر قومه وزين بلده. ويجوز أن يكون مثل قولك : حياة المصباح السليط ، أى ليست حياته إلا به ؛ فكأنّ نفس السليط حياته ، فإن قلت : صلة «الذي» و «التي» يجب أن تكون قصة معلومة ، للمخاطب ، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت : لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم (ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) فإن قلت : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم ، وهاهنا معرّفة؟ قلت : تلك الآية نزلت بمكة ، فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة. ثم نزلت هذه بالمدينة (١) مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلا.
__________________
(١) قال محمود رحمه الله : «هذه الآية نزلت بالمدينة بعد نزول آية التحريم بمكة ... الخ». قال أحمد رحمه الله يعنى بالآية قوله تعالى : (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) لكنى لم أقف على خلاف بين المفسرين ـ
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
