والإخبار في الآية على سبيل القطع واليقين وإخبار الواثق لأنه وحي إلهي كريم يعكس ما ظنه «جولد تسيهر» أنه رجاء وأمل أن يتم ذلك ؛ لذا حدد الفترة التي سيتم فيها النصر ـ في بضع سنين ـ وعدم تحديد سنة بعينها مع علمه بذلك لأن الناس منهم من يحسب بالشمس ، ومنهم من يحسب بالقمر ، ومنهم من يكمل الكسور ، ومنهم من يلغيها ، فكان مقتضى الحكمة التعبير باللفظ الصادق على كل تقدير. ليكون أقطع للشبهة وأبعد عن كل جدل ومكابرة.
فحينئذ تكون الآية من الإخبار بالمستقبل المغيب الخاص علمه بالله تعالى ، وتكون من البراهين الدالة على صدق نبوة سيدنا محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وصدق المنزل عليه (١).
بعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم رجلا يسمى (شهريراز) فسار إلى الروم ، بأهل فارس فظهر عليهم فقتلهم ، وخرب مدائنهم ، وقطع زيتونهم ، وقد كان قيصر بعث رجلا يدعى «يحنس» فالتقى مع «شهريراز» بأذرعات وبصرى ، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب ، فغلب فارس الروم ، وبلغ ذلك النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وأصحابه بمكة ، فشق ذلك عليهم ، وكان النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم ، وفرح كفار مكة وشمتوا ، فلقوا أصحاب النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقالوا : إنكم أهل الكتاب ، والنصارى أهل كتاب ، ونحن أميون ، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم ، فأنزل الله تعالى : (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) إلى آخر الآيات. فخرج أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ إلى الكفار فقال : أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم فو الله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقام إليه أبي بن خلف ، فقال : كذبت يا أبا فضيل ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : أنت أكذب يا عدو الله أناحيك عشر قلائص مني وعشر
__________________
(١) القراءات في نظر المستشرقين والملحدين ص ١١٣ ـ ١١٧.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
