ومن مزايا المحكم تنبيهه على الشواذ والنوادر وما جاء على خلاف المعروف من أمثال ما ذكره فقال :
«ومن ذلك تنبيهي على كل ما يهمز مما ليس أصله الهمز من جهة الاشتقاق كقولهم : الذئب يستنشئ الريح ، وإنما هو من النشوة ، وكذلك ما زيدت فيه الهمزة مما لا أصل له فيها ولا هو مبدل من بعض حروفها كقولهم : استلأمت الحجر ، وإنما هو من السلام ، وكذلك نبهت على ما جاء من المهموز نادرا مما استعمل فيه غير ذلك نحو ما حكى عن أبي زيد من أنه وجد في كتابه بخطه : الشئمة الطبيعة.
وكذلك أنبه على ما جاء فيه الهمز والأعرف تركه ، إلا أنه يتجه على طريق الاعراب نحو ما حكى عن عبد الرحمان بن أخي الأصمعي أنه وجد بخط عمه : قطا جؤني ، وإنما هو من الجونة التي هي السواد ، إلا أن هذا أمثل حالا من جميع ما تقدم من هذا النوع لأن أباحيّة النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة ، وعلى هذا قراءة ابن كثير : (فاستغلظ فاستوى على سؤقه) وقراءة أبي عمرو (عادا الاؤلى) وتعليل ذلك أن الواو إذا انضمت فهمزها مطرد عند سيبويه كوجوه وأجوه ، فلما سكنت الواو وقبلها ضمة توهمت الضمة عليها فهمزت لذلك ، قال الفارسي : وليس تلك باللغة الفاشية».
وقال أيضا :
«ومنه التنبيه على الجموع التي لم تكسر على واحدها كملامح ومشابه وليال ، وإعلامي في باب النسب إلى المضاف إلى أي المضافين يكون النسب ، وإشعاري بالصيغ المأخوذة من حروف الأول والثاني كعبدري وعبشمي ، وتعريفي بما أضيف على لفظ الجمع ، وبالعلة التي من أجلها كان كذلك كأعرابي وأنصاري ، وبالأسماء التي فيها معنى النسب وليست على صيغته كلابن ونابل وطاعم وكاس».
ومنه قوله :
«ومنه تذكيري بالآحاد التي جاءت على مفاعل ومفاعيل وما شاكلها كحضاجر وناقة مفاتيح ، وإشعاري بما تدخله الهاء لا لعجمة ولا نسب ولا عوض ولا جنس كصياقلة وملائكة ، إلى ذكري ما لا أكاد أحصيه إلا بعد شغب ، وإطالة تعب ، نحو ما استغنى عن تصغيره بلفظ غيره وهو دال على التصغير ، وتحقير الأحايين ، وتوجيه ذلك على أي وجه هو من أنه مفارق لطريق التصغير في المعنى.
ومن مزايا المحكم تمييزه بين المتشابهات من أمثال ما ذكره فقال :
«ومن أعجب ما اختص به هذا الكتاب تخليص الياء من الواو ، وتعيين ما انقلبت عنه الألف المنقلبة من ياء أو واو ، وتمييز الزائد من الأصل بتخليص الثلاثي والرباعي والخماسي ، وهذا فضل لا يصل إليه إلا من قتل التصاريف علما ، وأحاط بعلل ما يجعله زائدا من حروف الزوائد حكما».
وقال :
«ومنه إشعاري بالكلمة التي تقال بالواو والياء عينا كانت أو لاما كباب قنيت وقنوت ، وإشعاري بالمعاقبة الحجازية في الياء والواو بغير علة إلا طلب الخفة كصوام وصيام».
وقال أيضا :
«ومن غريب ما تضمنه هذا الكتاب تمييز أسماء الجموع من الجموع والتنبيه على الجمع المركب ، وهو الذي يسميه النحويون جمع الجمع ، فإن اللغويين جما لا يميزون الجمع من اسم الجمع ، ولا ينبهون على جمع الجمع ، ومن الأبنية ما يجوز أن يكون جمعا ، وأن يكون جمع جمع ، وذلك أدق ما في هذا الجنس المقتضي للجمع ، فإذا مررنا في كتابنا بمثل هذا النوع من الجمع أعلمنا أيهما أولى به : الجمع أم جمع الجمع».
وأكثر ابن سيده في محكمة من التعليلات النحوية ، والتوجيهات الصرفية إكثارا ملحوظا ، وذلك ما نبه عليه وسمى مراجعه فيه فقال :
«وأما ما نثرت عليه من كتب النحويين المتأخرين المتضمنة لتعليل اللغة فكتب أبي علي الفارسي : الحلبيات والبغداديات والإيضاح ، وكتب أبي الحسن بن الرماني ، وكتب أبي الفتح عثمان بن جنّي كالمقرب ، والتمام ، وشرحه لشعر المتنبي ، والخصائص ، وسر
