(فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) أي فناداها جبريل من تحت الأكمة أو من تحت النخلة ، وقيل : المنادي هو عيسى ، وقد أنطقه الله بعد وضعه تطييبا لقلبها وإيناسا لها ، قائلا : لا تحزني ، فقد جعل ربك تحتك جدولا أو نهرا صغيرا ، أجراه الله لها لتشرب منه. وقيل : المراد بالسريّ هنا عيسى ، والسريّ : السيد العظيم الخصال من الرجال. قال ابن عباس : المراد ب (مِنْ تَحْتِها) جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم ، وهذا هو الأصح.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) أي حرّكي جذع النخلة ، تسقط عليك رطبا طريا طيبا ، صالحا للاجتناء والأكل من غير حاجة إلى تخمير وصناعة. وهذه آية أخرى ، قال الزمخشري ، كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة ، وكان الوقت شتاء. وقيل : كانت النخلة مثمرة. والمهم في الأمر : وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرزق ، والاعتقاد بأن الفاعل الحقيقي في تيسير الرزق هو الله تعالى ، وأنه على كل شيء قدير. وأما التفاصيل فلا يجب علينا أن نعتقد إلا بما أخبر به القرآن صراحة ، وأما الروايات فتحتاج إلى تثبت ودليل وسند صحيح. وما أحسن قول الشاعر :
|
ألم تر أن الله أوحى لمريم |
|
وهزي إليك الجذع يساقط الرطب |
|
ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه |
|
إليها ولكن كل شيء له سبب |
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) أي فكلي من ذلك الرطب ، واشربي من ذلك الماء ، وطيبي نفسا ولا تحزني وقرّي عينا برؤية الولد النبي ، فإن الله قدير على صون سمعتك ، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وروى ابن أبي حاتم
![التفسير المنير [ ج ١٦ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2961_altafsir-almunir-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
