من جنس العلم الذي يتعاطاه ، فإن وجده بارعاً جَدِلاً جَرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه بها. وكان يحثُّ الفقهاء دائماً على معرفة اللغة ، ويلقى عليهم مسائل ذكرها فى كتاب سماه فتيا فقيه العرب ، ويخجلهم بذلك ؛ ليكون خجلهم داعياً إلى حفظ اللغة. ويقول : من قصر علمه فى اللغة وغولط غلط».
حذقه باللغة وتأليفه كتاب المقاييس :
على أن ابن فارس في كتابِه هذا «المقاييس» ، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة ، وتكنُّه أسرارها ، وفهم أصولها ؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف ، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحَد. وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (١) ؛ إذ حاول في كتاب «الاشتقاق» أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها ، وأفخاذها وبطونها ، وأسماء ساداتها وثُنيانها ، وشعرائها وفرسانها وحكامها ، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء. ويقول ابن دريد في مقدِّمة الاشتقاق : «ولم نتَعدَّ ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النامى من نبات الأرض نجمِها وشجرِها وأعشابها ولا إلى الجماد من صخرها ومَدَرها وحَزْنها وسهلها ؛ لأنا إن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاق الأصول التى تشتق منها. وهذا ما لا نهاية له».
ومما هو بالذكر جدير ، أن ابن فارسٍ كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية ، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد ،
__________________
(١) ولد ابن دريد بالبصرة سنة ٢٢٣ وتوفى بعمان سنة ٣٢١.
