أما هنات الصحاح فمتعددة ، منها : اقتصاره على الصحيح ، وطرحه ما لم يصحَّ عنده ؛ وإذا كانت هذه الملاحظة محسوبة من المزايا لدى فريق من الناس ، فإنها في نظر الأستاذ العطار إحدى هنواته ، لأنه طرح ألفاظاً ظنها غير صحيحة وهي في الحقيقة صحيحة ؛ ولو لم يلتزم الجوهري هذا المقياس لقدّم لنا ثروة لغوية كبيرة ، دليل ذلك أن الصَّغَاني في «التكملة والذيل والصلة» حشد أكثر من ستين ألف مادة لغوية ، أكثرها من صحيح اللغة ، في حين أن الجوهري لم يأت إلا بأربعين ألف مادة.
ومن هناته : التصحيف والتحريف لبعض الشعر أو المواد اللغوية أو الأعلام ، أو نسبته قول إمام إلى إمام آخر ، ونقله أقوال العلماء بغير دقة ، وأحياناً ينسب الحديث الشريف إلى غير صاحبه عليه السلام ، أو جعله بعض أقوال الناس حديثاً نبوياً ، وهو كثيراً ما يخطىء في رواية الشعر ويغيّر أشطره ، ويخلط في نسبة الشعر إلى أصحابه ، أو يغفل نسبته .. أو في ترتيب المواد من ذلك أنه وضع كلمة «الثيّب» في «ثوب» وحقها أن تكون في «ثيب».
ومع أن الجوهري كان أنحى اللغويين ، وخطيب المنبر الصرفيّ ، فقد وقع في كتابه بعض الخطأ في الإعلال الصرفيّ وقواعد النحو. والأمثلة على ذلك كثيرة.
* * *
هذا الوعي الكامل للصحاح مدعاة للثقة بعمل محققه ، ولعمري إن من يعمل في تحقيق كتاب واحد ، وهو مسلّح بالعلم والعقل والذوق ، ويقضي زهرة شبابه مخلصاً فيما يعمل لجدير بالانحناء والتقدير والتكريم.
الرائع في الصحاح أن محققه دقق في كل صغيرة وكبيرة وردت فأعمل فيها النظر والبحث ، ولم يسمح لها بالمرور إلا بعد أن استوثق منها ، أو وثّقها.
قرن كثيراً من المفردات بما جاء فيها في المعاجم الأخرى ، وبيّن الصحيح وغيره ، وكذلك ردّ الشعر إلى أصحابه ، وأعاد ترتيب أشطره كما ورد في
