وترتيب البندنيجي «كتاب التقفية» على أواخر الكلمات ليس من ابتكاره ، فقد سبقه إليه الشعراء منذ عرف الشعر العربي الذي يجيء في آخر كل بيت منه حرف القافية الموحدة في القصيدة كلها.
ورأى البندنيجي كلمات القافية فأخذها كما اتفق له وشرح بعض معانيها ، وفضله أنه جمع من هذه الكلمات «ما قدر عليه وبلغه حفظه» دون أن يراعي الترتيب المعجمي ، لأنه لم يرده ، أو لم يفطن له ، ولم يأخذ في حسابه إلا الكلمة في صورتها الظاهرة المنطوقة دون أن ينظر إلى أصل الكلمة وصرفها وما لحق بها من إعلال ، ودون أن ينظر إلى أوائل الكلمات ، بل حشدها حشداً ، وحشرها حشراً كما اتفق له ، منتهجاً في ذلك نهج الشعراء ، فهم لا يرتبون كلمات القافية ترتيباً معجمياً ، فقوافي الشعراء غير خاضعة لمنهج المعجميين ولا تتفق معه.
أما نظام الجوهري فهو النظام المحكم ، ومنهجه هو المنهج الحق الذي ابتكره ابتكاراً ، وسبق به كل من سار على نهجه.
وإذا كنا لم نَعُدَّ الفارابي الذي اتفق الجوهري معه في بعض نقاط منهجه إمام هذه المدرسة مع تبحره في اللغة فإن مما لا يصح أن يُعَدَّ البندنيجي رائد هذه المدرسة وإمام الجوهري ومن اتبع نظامه الدقيق المحكم ، لأن البندنيجي : أولاً ـ مغمور ، وثانياً ـ لأن كتابه نفسه مغمور ، وثالثاً ـ لأن الجوهري وقبله الفارابي لم يطلعا على كتاب البندنيجي ، ورابعا ـ لأن الجوهري يقول في مقدمة صحاحه : «على ترتيب لم أسبق إليه» ، وهو صادق يؤيده واقع التاريخ ، وخامساً ـ لأن منهج الجوهري يختلف كل الاختلاف عن منهج البندنيجي ، وسادساً ـ لأن قصد كل منهما في كتابه يغاير قصد الآخر ، وسابعاً ـ لأن عمل الجوهري عمل معجمي صحيح تتوافر كل شروط المعجم فيه ، وثامناً ـ لأن عمل البندنيجي ليس عملاً معجمياً ، وتاسعاً ـ لأن كتاب البندنيجي ليس معجماً.
وخلاصة القول : إن تقدم البندنيجي في الوجود وسبقه في تأليف كتابه لا يمكن أن ينفيا عن الجوهري الابتكار ويسلباه إياه.
والبندنيجي لم يفطن للتأسيس المعجمي الذي فطن له الجوهري ابتداء ، وكان فيه رائداً وإماماً ، فهو لم يقتصر في الترتيب على الحرف الأخير من الكلمة ، بل نظر إلى الحرف الأول منها ؛ ثم وضع في حسابه الحرف الثاني ثم الثالث في الرباعي ، ثم الحرف الرابع في الخماسي.
والبندنيجي لم يفطن لهذا النظام المعجمي الدقيق ، لأنه لم يقصد إلى تأليف معجم لغوي ، ولم يَدُرْ بخلده ذلك.
والجوهري لا يذكر مادة «حبب» بعد «حدب» لأن الباء أسبق من الدال في
