مقدمة المؤلف قوله : «باب الألف الممدودة : الاباء : القصب ، ويقال : رؤوس القصب».
ثم يقول الجاسر : «ثم أورد كلمات على هذا الوزن وكلمات أخرى مثل : الإقواء ، والانحناء ، والاستخذاء ، والحوباء ، والأهواء ، وآخر الباب : «الإغواء : يقال : أغواه يُغْويه إغواء إذا حمله على الغي ، ويقال : غَويَ الفصيلُ يَغْوي غَوى شديداً ، إذا شرب من اللبن حتى يكاد يسكر» إلخ.
وهذا كتاب التقفية ومنهج تأليفه ومؤلفه كما ذكر الجاسر ، وكله برهان على أن دعواه بسبق أبي بشر البندنيجي الجوهريَّ ليست أهلاً للأخذ بها ، إذا أريد منها انتزاع راية الابتكار من الجوهري صاحبها الأصيل وإعطائها غيره.
فالجوهري إمام هذه المدرسة دون منازع وغير مُدَافَع وإن كان مسبوقاً في الزمن والتأليف من قبل البندنيجي أو الفارابي ، لأن البندنيجي وكتابه مغموران باعتراف الجاسر ، ولأن البندنيجي لم يقصد أن يؤلف معجماً لغوياً ، وليس كتابه إياه ، وقد فطن لعمله فذكره في مقدمة كتابه إذ يقول : «هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر وسماه بذلك لأنه مُؤلَّف على القوافي والقافية والبيت من الشعر».
فما ادعاه له الجاسر لم يزعمه المؤلف لنفسه ، لأنه كان فاهماً ومدركاً حقيقة عمله ، هذه الحقيقة التي جهلها الجاسر جهلاً مطبقاً.
ولو اطلع الجوهري على «كتاب التقفية» لما جرؤ إنسان يعرف الحق ويتبعه أن ينتزع راية الابتكار من الجوهري ويعطيها البندنيجي.
فكيف والإمام الجوهري لم يطلع عليه ، إذ لو اطلع عليه لذكره وأشار إليه ، ولم أجد في معجمات العربية في عصر الجوهري ولا في المعجمات التي أعقبته أي إشارة إلى كتاب البندنيجي ، وقد اعترف الجاسر أن البندنيجي وكتابه مغموران.
ولهذا لا يمكن أن ننفي ابتكار الجوهري طريقة تأسيس معجمه ، وما كان السبق في الزمن نافياً الابتكار ما دام من يوصف به لم يطلع على عمل من سبقه ، فكيف وعمل البندنيجي ـ بعد أن عُرفَ وظهر ـ لا يعد سبقاً بالنسبة للجوهري لاختلاف منهجه عن منهج البندنيجي كل الاختلاف الذي جهله الجاسر جهلاً.
ولو ادعى الجاسر أن الفارابي في معجمه «ديوان الأدب» سبق الجوهري في الابتكار والتأليف لكان في دعواه نظر ، أما دعواه في نفي الابتكار عن الجوهري أن البندنيجي سبقه فمردودة ، ولا يمكن أن تجوز دعوى الجاسر على إنسان يفهم المعجم فهماً سليماً.
وقد سبق باحث هو العلامة المستشرق الألماني فريتس كرنكو (١٨٧٢ ـ ١٩٥٣ م) حمد
