وقد أثّرت سيطرة هؤلاء الجهلة المتعصّبين ومَنْ تلاهم من الْأُمراء الخوارزمية والْأَيّوبية ـ في الشام ـ أن يتعرّض الشيعة إلىٰ اضطهاد في القرنين (٤٥٠ ـ ٦٥٠) فكانا من أشدّ الفترات العصيبة في تاريخ الإِسلام عموماً ، والتشيّع خصوصاً ، حيث أدّىٰ ذلك إلىٰ ابتلاء الْأُمّة ، بأشكالٍ من العصبيّات المقيتة ، وسيطرة القبائل البعيدة عن الثقافة ، كالسلاجقة والْأَيّوبيّين ، من الّذين استغلّوا اختلاف المذاهب ، في إثارة الطائفيّة بين الْأُمّة الإِسلامية ، والتمسّك بالحنبلية والتشدّد بٱسم التديّن ، واعتمادهم سياسة القمع المذهبيّ ، والمحاسبة علىٰ العقائد إرضاءً لأَفكار العامّة الجهلة ، كلّ ذلك دعماً لكراسيهم ، وتحكيماً لسيطرتهم .
فكان علىٰ أثر ذلك أنْ تعرّضتْ مدارسُ الشيعة ومراكزهم العلميّة وعلماؤهم الكبار إلىٰ أشكال من الهجوم والتهجير والإِبادة(٣) .
وهذا هو السبب المباشر في شحّة المصادر المتكفّلة بالحديث عن تاريخ هذه الفترة ، وكذلك ضياع التراث الذي أنتجته عقول مفكّريها ومؤلّفيها .
مع أنّ الشذرات الباقية ، سواء من المصادر التاريخية ، أو التراث المتبقّىٰ ، تدلّ علىٰ ضخامة الثروة وعظمة الجهود المبذولة ، في سبيل إبقاء الحضارة ، والحفاظ علىٰ استمرار حياتها .
فهذان الكتابان العظيمان : معالم العلماء ، لابن شهر آشوب (ت ٥٨٨) وفهرست الشيخ منتجب الدين ابن بابويه (كان حيّاً في ٦٠٠) يدلّان علىٰ ما نقول بوضوح .
وكذلك المنقولات عن «تاريخ الريّ» و «تاريخ الإِمامية» لابن أبي طيّ الحلبي ، يكشفان عن مجدٍ رفيع ، وحركة واسعة .
بالرغم من كلّ العراقيل ، والصعوبات ، والعقبات ، والهجمات الشرسة
__________________
(٣) انظر : الثقات العيون ـ التقديم ـ : ص / هـ ـ و .
![تراثنا ـ العدد [ ٣٤ ] [ ج ٣٤ ] تراثنا ـ العدد [ 34 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2785_turathona-34%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)