اللين والْأَمن ، وإنّ عصور الْأَمن عصور طراوة ودعة لا تحفّز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة .
وعلىٰ النقيض من ذلك عصور المشادّة والجهاد التي تحرّك أعمق أعماق النفوس وتثير كلّ تيّاراتها ، وتبتعث رواقدها ، لما تتطلّبه طبيعة العراك من استمداد كلّ قوّة ، وإفراغ كلّ جهد .
إنّ الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً وشكوىٰ ، ولا بكاء ولا عويلاً ، وإنّما ترك قوّة صامدة ، وتحقيراً لأَمر الدنيا ، وإعظاماً للجهاد ، وإكباراً للتضحية .
ولم يكن لآل البيت أُسلوب قويّ فحسب ، بل كانت معانيهم أيضاً قويّة ، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الْأَعلىٰ للإِيمان والعقيدة ، فاكتسبت رونقاً وجلالاً ، وعظمة وجمالاً .
ولا غرو ، فقد قدّموا في سبيل هذه العقيدة أغلىٰ ما يمكن أن يقدّمه إنسان قرباناً لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإِمام رضي الله عنه : «لنا حقّ فإن أُعطيناه ، وإلّا ركبنا أعجاز الإِبل وإن طال السرىٰ» .
وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب «نهج البلاغة» ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيّين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كلّ موعظة باهرة ، وحجّة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأُسس حربية ، ممّا يشهد للإِمام بالفضل وحسن الْأَثر .
فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقىٰ العاطفة المشبوبة والإِحساس المتطلّع إلىٰ الرحمة والإِكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد .
فكان رضي الله عنه شجاعاً في غير بغي ، قويّاً في
غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، بريء النفس من حبّ الانتقام والغرور ، لا يتكلّف
![تراثنا ـ العدد [ ٣٤ ] [ ج ٣٤ ] تراثنا ـ العدد [ 34 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2785_turathona-34%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)