اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعزّ وكبرياء شأن كذلك يجتبيك لأمور عظام ، قال الزّجاج (١) : الاجتباء مشتقّ من جبيت الشيء إذا أخلصته لنفسك ومنه الماء في الحوض ، وأيضا قال الرازي (٢) واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء فقال الحسن : يجتبيك ربك بالنبوّة ، وقال آخرون : المراد به إعلاء الدّرجة وتعظيم المرتبة ، فأمّا تعيين النبوّة فلا دلالة في اللّفظ عليه ، ثم قال : واعلم أنّا لمّا فسرنا هذه الآية بالنبوّة لزم الحكم بأنّ أولاد يعقوب كلّهم كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال : (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) ، وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب فلما كان المراد من تمام النعمة هو النبوّة لزم حصولها لآل يعقوب وترك العمل به في حقّ من عدا من أبنائه وجب أن يبقى معمولا به في حقّ أولاده انتهى ، وكلّ ذلك صريح في عدم الإجماع ، وأصرح من ذلك ما في الشفاء للقاضي عياض (٣) حيث قال : وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب (فيها تعتب خ ل) وأما إخوته فلم تثبت نبوّتهم فيلزم الكلام على أفعالهم وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحا في كونهم من أهل
__________________
(١) هو العلامة أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن سرى بن سهل البحري من مشاهير أئمة النحو واللغة ، أخذ عنه جماعة ، منهم أبو على الفارسي النحوي اللغوي الشهير ، وللمترجم عدة تصانيف وتآليف ، منها الأمالي ، ولعل ما نقله مولانا القاضي في معنى الاجتباء منقول عنه ، وكتاب الأنواء ، وما ينصرف وما لا ينصرف ومعاني القرآن وشرح أبيات سيبويه والنوادر وغيرها ، توفى يوم الجمعة ١٩ جمادى الثانية سنة ٣١٠ وقيل ٣١١ وقيل ٣١٦ ببغداد في سلطنة المعتضد العباسي ، فراجع الريحانة (ج ٢ ص ١١٧) والبغية للسيوطي ، وشذرات الذهب وابن خلكان وتحفة الالباء وغيرها من معاجم التراجم.
(٢) قد تقدمت ترجمته في (ج ١ ص ١١٠).
(٣) المجلد الثاني (ص ١٥٩ ط الآستانة).
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2705_ihqaq-alhaq-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
