وفي تفسير النيسابوري أنّ بعضهم حمل الفاحشة على الزّنا وخصّص من يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أوفي ، فعلى هذا لا ترتبط الآية بما نقله القوم أيضا فضلا عن المصنّف قدسسره ، واما ما ذكره من أنّ المصنّف أساء الأدب بذكر تلك القبائح والمعايب عند ذكر الأنبياء عليهمالسلام فهذا أيضا من بركة البرامكة ، (١) فانّ الأشاعرة وهم الذين قالوا : بجواز صدور الفواحش عنهم ، فيلزم النّاقل لكلامهم ما لزمهم من المقارنة في الذّكر ونقل الكفر ليس بكفر بالاتّفاق ، وأيضا كثيرا ما يفرض الحكماء والمتكلمون عند الاستدلال على وجود الواجب أو على وحدته : مثلا عدمه أو تعدده المستلزم لكفر قائله أو شركه ، ولم يتوجّه عليهم إلى الآن مؤاخذة عن عاقل فضلا عن فاضل بأنّ ذلك إساءة أدب أو كفر أو شرك ، فكذا فيما أتى به المصنّف هاهنا لاتّحاد أسلوب الكلامين ، وإنّما الذي حمل النّاصب على هذا التشنيع عجزه عن الجواب أو انحرافه عن سمت الحق والصّواب ، كما حكى (٢) أنّ رجلا رأى فقيها ناقصا كالنّاصب في مسجد فسأله عن مسألة من مسائل الحيض أو الاستحاضة ولما رأى الفقيه أنّه عاجز عن جواب مسألته اضطرب وقال ساخطا عليه ، اخرج هذه القاذورات من بيت الله وموّه عليه جهل نفسه ، فلينظر أولياء النّاصب أنّ هذه
__________________
(١) هي من الأمثال المولدة قالها رجل من الشعراء والوافدين لما أعطاه الرشيد العباسي مالا جزيلا فقال بدل ان يشكر للمنعم : وهذا من بركة البرامكة فصارت الكلمة مثلا شايعا سائرا يضرب به في من لم يشكر لمنعمه بل شكر غيره وأسند النعمة اليه وهذه الصفة مذمومة من جهة وغير مذمومة من أخرى كما لا يخفى.
(٢) ونظيره ما يحكى من أنه سأل سائل عن فلسفي متوغل في الحكمة غير عالم بالفقه عن مقدار النزح لو وقع غراب في البئر ومات ، فلما رأى المسئول عنه عجزه عن الجواب الفقهي أجاب لا وقع لسؤالك لان الغراب طائر لا يقع في البئر ، لأنه يضرب به المثل في الحذاقة والكياسة والحذر.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2705_ihqaq-alhaq-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
