أقول
قد مرّ أنّ الإجماع لم ينعقد على العصمة عن الكذب على إطلاقه ، بل خصّها الأشاعرة بما بعد النبوّة ، واما ما ذكره من أنّ المراد بكذبات إبراهيم ما كان في صورة الكذب لا حقيقته فممّا يأبى عنه استعذار إبراهيم عليهالسلام عن شفاعة النّاس بأنّه كذب ثلاث كذبات فلا يليق بطلب الشّفاعة من الله تعالى ، وايضا يأبى عنه قوله عليهالسلام في الرّواية الثانية : إنّ إبراهيم لم يكذب قطّ إلا ثلاث كذبات فانّ ما يفيده سوق الكلام من الحصر والتأكيد بقوله قطّ يدلّ على أنّه أراد حقيقة الكذب كما لا يخفى ، والحاصل أنّا نعلم أنّ الكذب الذي يتراءى في الآية ليس بكذب بل هو من المعاريض (١) التي يقصد بها الحقّ وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال صاحبك
__________________
(١) قال المحقق التفتازاني في شرح التلخيص طبع الآستانة ص ٣٧٤ ما لفظه : ان الكناية إذا كانت عرضية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كان المناسب أن يطلق عليها اسم التعريض يقال عرضت لفلان وبفلان إذا قلت وأنت تعنيه ، فكأنك أشرت به الى جانب. وتريد جانبا آخر ومنه (المعاريض) في الكلام وهي التورية بالشيء عن الشيء ، وقال صاحب الكشاف الكناية أن نذكر الشيء بغير لفظ الموضوع له ، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج اليه جئتك لأسلم عليك فكأنه امالة الكلام الى عرض يدل على المقصود ويسمى (التلويح) لأنه يلوح منه ما يريده ، وقال ابن الأثير في المثل السائر : التعريض هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي او المجازى بل من جهة التلويح والاشارة ، ويختص بالمركب كقول من يتوقع صلة : والله انى محتاج فانه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا وانما فهم المعنى من عرض اللفظ أى جانبه ، وفي الخبر عنهم عليهمالسلام ان لكلامنا معاريض ، ومن ثم ترى المحققين من علمائنا الكرام يؤكدون الجد والجهد في فقه الحديث وكانت كتب الروايات المأثورة عن الأئمة (ع) مركز الافادة والاستفادة والإجازة والمناولة والعرض
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2705_ihqaq-alhaq-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
