حتى ان بعض الناس ، يكون له نفاذ : في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ ، فاذا كلف : تعلم ما هو دونه من سهل العلوم ، نكص على عقبيه ، ولم يكن فيه نفاذ.
وأغرب من ذلك : أن صاحب الطبع في المنظوم ، يجيد في المديح دون الهجاء ، او في الهجاء دون المديح ، او يجيد في المراثي دون التهانى ، او في التهاني دون المراثى.
وكذلك صاحب الطبع في المنثور.
هذا ابن الحريري ـ صاحب المقامات ـ قد كان على ما ظهر منه من تنميق ـ المقامات ـ واحدا في فنه ، فلما حضر ببغداد ، ووقف على مقاماته ، قيل هذا يستصلح لكتابة الانشاء في ديوان الخلافة ، ويحسن اثره فيه. فاحضر وكلف : كتابة كتاب ، فافحم ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة ، فقال بعضهم فيه :
|
شيخ لنا من ربيعة الفرس |
|
ينتف عشنونه من الهوس |
|
انطقه الله بالمشان وقد |
|
الجمه في بغداد بالخرس |
وهذا مما يعجب منه ، وسئلت عن ذلك فقلت : لا عحب. لأن المقامات مدارها جميعها ، على حكاية تخرج على مخلص ، واما المكاتبات : فانها بحر لا ساحل له ، لأن المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث الأيام ، وهي متجددة على عدد الانفاس.
اي : انه اذا خطب الكاتب المفلق ، عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور ، وسعى مذكور ، ومكث على ذلك برهة يسيرة ، لا تبلغ عشر سنين ، فانه يدون عنه من المكاتبات : ما يزيد على عشرة أجزاء ، كل جزء منها : اكبر من مقامات الحريري حجما.
![المدرّس الأفضل [ ج ١ ] المدرّس الأفضل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2679_almodarres-alafzal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
