إنّه لا يكون إلّا ما أراده الله وأنه لا قدرة للكافر على الخلاص من كفره ، ولا سبيل للفاسق إلى ترك فسقه ، وأنّ الله تعالى قضى بالمعاصي على قوم وخلقهم لها وفعلها فيهم ليعاقبهم عليها ، وقضى بالطاعات على قوم وخلقهم لها وفعلها فيهم ليثيبهم عليها ، وهذا الإعتقاد القبيح يسقط عن المكلف الحرص على الطاعة والاجتهاد في الانزجار عن المعصية ، لأنه يرى أنّ اجتهاده لا ينفع ، وحرصه لا يغني ، بل لا اجتهاد له في الحقيقة ، ولا حرص ، لأنه مفعول فيه غير فاعل ، وموجد فيه غير موجد ، ومخلوق لشيء لا محيد (١) له عنه ، ومسوق إلى أمر لا انفصال له منه ، فأىّ خوف مع هذا يقع؟ وأىّ وعيد معه ينفع؟ نعوذ بالله ممّا يقولون ونتبرّأ ممّا يعتقدون ، ونعم ما أنشد بعض أهل العدل إشارة إلى ما اعتقده هؤلاء خذلهم الله تعالى ، شعر :
|
سألت المخنّث عن فعله |
|
علام (٢) تخنّثت يا ماذق (٣) |
|
فقال : ابتلاني بداء (٤) العضال |
|
وأسلمني (٥) القدر السّابق |
|
ولمت الزّناة على فعلهم |
|
فقالوا بهذا قضى الخالق |
|
وقلت : لآكل مال اليتيم : |
|
أكلت وأنت امرؤ فاسق |
|
فقال : ولجلج (٦) في قوله |
|
أكلت وأطعمني الرّازق |
|
وكلّ يحيل على ربّه |
|
وما فيهم واحد صادق |
__________________
(١) حاد حيدا وحيدانا ومحيدا : مال عن الطريق وعدل ، وفي بعض النسخ المخطوطة «لا محيص له عنه».
(٢) علام : في الأصل على ما. وشاع حذف ألف ماء الاستفهامية إذا دخلتها حروف الجارة
(٣) مذق الود : شابه بكدر ولم يخلصه.
(٤) داء عضال بضم العين : أى داء معى غالب.
(٥) اسلم : إذا لدغته الحية.
(٦) لجلج ، تردد في الكلام.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
