أقول : قد توارد بعض الفضلاء المعاصرين في حاشيته على شرح اصول ابن الحاجب بهذا الجواب ظنّا منه أنّه وجد تمرة الغراب (١) حيث قال : إنّ الحكم بأنّا نعلم بالضّرورة أو بالنّظر أنّ الصّدق النّافع والكذب الضارّ يترتب عليهما الثّواب أو العقاب في العقبى بعيد ، لأنّ العقل لا يستقلّ في أمر الآخرة «انتهى» ، وقد دفعناه (٢) قبل ذلك في تعليقاتنا على ذلك الشّرح : بأنّ الاستبعاد إنّما يتوجّه لو أريد الثّواب والعقاب بخصوصياتهما المعلومة من عرف الشّرع ، ككون الثّواب عطيّة يستحقها العبد من الله تعالى دائما في دار الآخرة ، وأمّا إذا أريد به العطاء (٣)
__________________
(١) هذا مثل معروف عند العرب يضرب به في حق من أتى بشيء خسيس زاعما أنه أغلى واثمن ما يوجد.
(٢) هذا الدفع اختيار للشق الثاني من جواب الناصب ، وانما لم يتعرض للدفع باختيار الشق الاول أيضا اعتمادا على ظهور ذلك بما ذكرناه قريبا من اثبات الاستلزام بين معاني الحسن والقبح.
(٣) ويؤيد أن اصل معنى الثواب ما ذكرناه ، ما ذكره المصنف رفع الله درجته في شرح الياقوت (اسمه انوار الملكوت) من ان الثواب عبارة عن النفع المقارن للتعظيم والإجلال وأيضا يؤيده تعبير الحكماء المثبتين للمعاد الروحاني عن جزاء الاعمال بالثواب والعقاب أيضا ، كما صرح به المحقق الطوسي «ره» في قواعد العقائد حيث قال : المسألة الرابعة في الثواب والعقاب وهما اما بدنيان كاللذات الجسمانية ، واما نفسيان كالتعظيم والإجلال ، وكالخزى والهوان وتفصيلهما لا يعلم الا بالشرع. وقال في موضع آخر : وأما القائلون بالثواب والعقاب النفسانيين قالوا : النفوس باقية أبدا ، فان كانت مدركة لذاتها اللذات الباقية معتقدة بما يجب عليها ان تعتقدها متخلقة بالأخلاق الفاضلة والاعمال الصالحة منقطعة العلاقة عن الأشياء الفانية وكان جميع ذلك ملكة راسخة فيها ، كانت من أهل الثواب الدائم ، وان كانت عديمة الإدراك للذات الباقية معتقدة لما لا يكون مطابقا
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
