خثى (١) البقر البحري ، فتشاوروا في ذلك ، وأسرّوا النجوى مع الرّئيس ، فأجمعوا عن آخرهم على أنّ لنا ثيرانا (٢) فنصنع حوضا عظيما ، وندخل تلك الثيران فيه ليحصل لنا من العنبر قدر كثير فنتطيّب به ونهديه إلى الأصحاب والأحباب ، ونبيع ما فضل من ذلك ونصرفه في حوائجنا ونستغني بذلك عمّا نحن فيه من الأعمال الشّاقّة والحركات العنيفة ، ونخلص بذلك الشّغل عن الإخراجات والخراجات والمطالبات الديوانيّة ، فجزموا على هذا الرّأي وصنعوا حوضا عظيما وأجروا فيه الماء وأدخلوا ثيرانهم فيه وقت الرّبيع ، فلمّا راثت الثيران أخذوا من خثاها واستطابوه ، لأنّ لخثاء البقر في ذلك الوقت رائحة غير منكرة ، فلمّا كثر ذلك عندهم وفضل عن حاجاتهم حملوا بعضا منه إلى العطار ليبيعوا منه ، فلما رآه العطار قال هذا عنبر زكي الرّائحة لا يوجد مثله في خزانة السّلاطين ، فاحفظوه لنفسكم ولأحبابكم وما فضل منكم فادّخروه لأعقابكم ، فانّه علق (٣) نفيس لا يعرف قدره إلا بصير كامل خبير عاقل مثلكم ، وأنّى لكم الأمثال؟! ، ثمّ لا يذهب عليك أن الذي ألجأ فخر الدّين الرّازي وما تأخّر عنه إلى أن جعلوا النّزاع لفظيّا ، هو العجز عن إتمام الدّليل العقليّ على إمكان الرّؤية حتى أنّ الرّازي فضح نفسه في كتاب الأربعين ، فقال بعد ذكر دليل الأشاعرة وذكر الأسؤلة والإيرادات الكثيرة عليه : اعلم أنّ (٤) الدّليل العقلي المعوّل عليه في هذه المسألة هذا الذي أوردناه ،
__________________
(١) الخثي : بكسر الخاء مختوما بالألف المقصورة : الروث.
(٢) هو جمع ثور. يطلق على الذكور والإناث.
(٣) بكسر الاول وسكون الثاني. النفيس من كل شيء.
(٤) ذكره في كتابه المسمى بالأربعين في اصول الدين ص ١٩٧ ، طبع حيدرآباد ، في أواخر السؤال الثاني عشر وكذا في رد شبهات المعتزلة ، والتجأ في طي كلماته تارة بجعل الرؤية بمعنى الكشف المعنوي القلبي ، وأخرى بمعنى آخر وثالثة لاذ بالأخذ بظواهر الأدلة النقلية ، من دون تأويل ، كداود الجواربى وغيره فراجع.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
