الحرارة من التّأثير ، ومن أنكر هذا فلينكر (١) كون النّار (بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) «انتهى كلامه»
أقول : وحاصل ما ذكره في جلّ (٢) هذا الفصل يرجع إلى التّشكيك في البديهي أو جعل النّزاع لفظيا كما حقّقناه سابقا ، ولنفصّل الكلام في تزييف ما نسجه من المقدّمات لئلا يظنّ بنا ظانّ أنّ اكتفاءنا بالإجمال للعجز عن إيضاح المقال ، فنقول أولا : لا نسلّم أنّ جميع السوفسطائيّة ذهبوا إلى نفى حقائق الأشياء فإنّ أفضل السّوفسطائية وهم اللاأدريّة (٣) على ما في المواقف ، قائلون : بالتوقّف في بطلان الحسّيّات لا بنفي حقائق الموجودات ، وهم اللّذون نسبوا إليهم جواز انقلاب الأواني في الدّار أناسا فضلاء ، وشبّهوا مقالة الأشاعرة بمقالتهم ، فما ذكره في بيان الفرق من أنّ السّوفسطائية ذهبوا إلى نفى حقائق الأشياء ليس على إطلاقه نعم ذلك النّفى منسوب إلى طائفة أخرى منهم يسمّون بالعناديّة ، (٤) ولا يلزم من
__________________
(١) وأنت خبير لو جوز تخلف الآثار عن مؤثراتها لم يبق حجر على حجر ولا محال عقلي ؛ والالتزام بذلك مما لا يلتزم به.
(٢) جل كل شيء بالضم : معظمه.
(٣) هم قوم ينكرون العلم بثبوت شيء وبلا ثبوته ويزعمون أنه شاك ، وشاك في انه شاك وهلم جرا ، هكذا أفاد الجرجاني في رسالة الحدود انتهى. وسيأتي منا أن اللاادرية فرقة من السوفسطائية في مقابل العنادية بالمعنى الأخص المذكور في الكلام وعلم آداب البحث والمناظرة. ثم قد عد من رؤساء اللاأدرية حارث البلخي حتى ينقل عنه أنه قال حين موته : ما تيقنت بشيء ولا شككت فيه ، وألزمه بعض الحاضرين بجزمه بعدم يقينه وعدم شكه اللذين هما من الكيفيات النفسانية.
(٤) العنادية لها إطلاقات في علوم الكلام والميزان والمناظرة.
ففي المنطق ، هي قضية يكون التنافي فيها لذاتي الجزئين مع قطع النظر عن الواقع ،
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2654_ihqaq-alhaq-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
