نشر الإسلام في إفريقية. وتذكّرنا هذه الرواية بقصّة أبي الصّيداء وهي موجودة في الطبري (١). أبو الصّيداء أيضا كان ضمن وفد أرسله والي خراسان إلى عمر بن عبد العزيز لضمان سياسته الجبائية والاجتماعية ، وهو أيضا رفض ضمانه وأدان هذه السياسة. وهكذا يبدو أنّ هذا المسلك لم يكن موجودا فقط بالنسبة إلى إفريقية بل وأيضا خراسان وهي ، مثل إفريقية ، نائية عن المركز ويصعب مراقبتها. وبالتالي فهذه القصّة قد تكون صحيحة ، وإذا لم تكن كذلك فما يهمّ أنها تؤيّد خبر إرسال قسط سنوي من الجباية إلى الخليفة لا ندري مبلغه في هذه الفترة بالذات.
لكن لو نزلنا في محطّة الزّمان وتوقّفنا في عهد هارون الرّشيد قبل انتصاب الإمارة الأغلبية في سنة ١٨٤ ه ، يأتي نصّ للجهشياري ـ ويبدو أنه من منبع رسمي ـ ليمدّنا بالمبالغ القادمة إلى بغداد من مختلف الولايات. فيقول إنّ إفريقية كانت ترسل إلى بيت المال المركزي ١٣ مليون درهم و ١٢٠ بساطا. وهذا رقم هائل يفوق ما ذكر لنا عن جباية أرمينيا ، وهمذان ودستباء معا ، وأصفهان وجرجان ، وقد كانت إيران مقسّمة إلى مقاطعات مهيكلة. وإذا فكّرنا بأنّ الأراضي التي تدرّ الكثير لا تتجاوز إفريقية الجغرافية والزّاب وطرابلس وعمل طنجة حيث الزّراعة والحضارة ، وأنّ مغرب الرّحّل الشاسع العميق ينفلت دون شك من الجباية المنتظمة ـ وهذا ما يفسّر غزوات النهب المطّردة إلى فترة متأخرة ـ يقوى تخميننا بأنّ هذا المبلغ مرتفع أو أنّ إفريقية كانت تحوي إمكانات اقتصادية محترمة ، وهذا ما عرف عنها في العهد الرّوماني. وأخيرا فإنّ هذا المبلغ المذكور لا يمثّل إلّا بقيّة إنتاج الجباية بعد طرح المصاريف المحليّة وهي ضخمة في كلّ ما يتعلّق بالمقاتلة والجيش.
إنّ الإشارة المرقّمة للجهشياري (٢) والدقيقة تدمج إفريقية ضمن
__________________
(١) الطبري ، م. س ، ج ٦ ، ص ٥٥٩ ؛ فلهاوزن ، م. س ، ص ٢٨٤.
(٢) الوزراء والكتّاب ، م. س ، ص ٢٨١. وهذا قبل ١٨٤ ه. وقبل نكبة البرامكة لأن هذا التقدير قام به كاتب وقدّمه ليحيى بن خالد.
