وبلدهم خصب كثير الأفاويه (١) وإنما سماها بطليموس أرض الأعراب لأجل ان أكثر العرب بادية ، وسماها خصبة لأنها أكثر البلاد كلأ دون المزارع ، ولذلك اعتمد أهلها على المال السارح (٢) وحموه بالخيل إذ لا يحصون لهم ، ويريد أنها كثيرة الأفاويه بزهور الرمال مثل الأقحوان والخزامى وغير ذلك ، واليمن يجمع الورد وكثيرا من الأفاويه ، ولا يعدم بها أكثر الحشائش التي ذكرها (ديوسقوريدس) (٣) في كتابه المعروف بكتاب «الحشائش» مع نفيس الجواهر والمعدوم من العرض (٤) إلا بساحلها فيما يقارب وزن المثقال ، ويزيد عليه وبها مرامي العنبر على سيوفها (٥) ولمهرة وبني مجيد على سيفي بحر اليمن شرقا وغربا الجمال المعنبرة ، وذلك أن مسائمها على الساحل ، وإذا اشتم الجمل العنبرية برك فلم يثر حتى يفقده صاحبه فيطلبه فيجده بالقرب منها فيلقطها ، فان أبطأ عليه لم يبرح حتى تفتر قواه من الجوى ، وربما نفق فذلك خيفة عليها.
قسم ما بين المشرق والشمال : وأما الربع الثالث الذي في ناحية شمال المشرق من بلاد آسيا العظمى ، فان ما يحوي من البلاد أرمينية العليا وأرمينية السفلى والسّغد ومدينتها سمرقند وطبرستان وجرجان وموقان وأذربيجان والخزر وجيلان واللان وياجوج وماجوج ، وخراسان وتبت وأرض الترك وأرض التّغزغز و (سوروماطقا) وهي بلاد النساء اللواتي يقطعن أثداءهن ويلقين الحرب ، ولتدبير المشتري وزحل هذا القسم صار الغالب على أهل هذا القسم الغنى والجدة ، ويعظمون المشتري وما لهم من الجوهرتين (٦) العتيقتين كثير ، وهم أهل نظافة في المطعم والمشرب ، حكماء
__________________
(١) الأفاويه : الطيب والأزهار العبقة والتوابل.
(٢) المال السارح : هو الابل والغنم والبقر بقلة. وقد كانت الجزيرة العربية لعهد بطليموس وقبله ، عظيم خصبها كثيرة مياهها متدفقة أنهارها نضرة أشجارها راجع تاريخنا : «اليمن الخضراء».
(٣) ديوسقوريدس : العين زربي ، يقال له السائح في البلاد ويحيى النحوي يمدحه في كتابه في التاريخ ويقول : تفديه الأنفس صاحب النفس الزكية النافع للناس المنفعة الجليلة المتعرف المنصوب السايح المقتبس لعلوم الأدوية المفردة من البراري والجزائر والبحار وله كتاب الحشائش «فهرست ابن النديم» ٢٩٣ ط : أوربا.
(٤) كذا في الأصول وفي نسخة : الغوص بالغين المعجمة والصاد المهملة.
(٥) قوله ولها : أي باليمن وسيوفها بالضم جمع سيف بالكسر وهو ساحل البحر [والجوى داء لا يستمرأ معه الطعام أو إذا أصابه حرقة أو شدة من عشق أو حزن].
(٦) هما الذهب والفضة ولمؤلف لسان اليمن كتاب «الجوهرتين العتيقتين» طبع في السويد بتحقيق الأستاذ كريستوفر تولّ. انظر مجلة «العرب» السنة الرابعة ص ٢٦٧.
