زيارتي لدير القديسة كاترينة في جبل سيناء وحجي إلى قبر المسيح المكرم في القدس الشريف. فانقلعت من قلبي الجذور القديمة وزالت من مخيلتي ذكريات تلك الأمور. وكان تأثير تلك الأحداث في أول الأمر أني عزمت ألا أتزوج بعد ، لأني لن أجد امرأة تعجبني. ولكن بعد زيارتي لتلك الأماكن المقدسة ، تغيرت أفكاري وشعرت بهدوء داخلي ، فقررت الزواج لأن أسرتي كانت تنتظر مني نسلا يبقي ذكراها ويخلد اسمها. وعلى أثر ذلك كتبت من حلب رسالة إلى أهلي في روما طالبا منهم أن يسعوا في التفتيش عن شابة تليق بي لأتزوجها عند عودتي إلى إيطاليا. والآن كم أتمنى لو أني لم أكتب تلك الرسائل فقد ساعدني الحظ فعثرت على ضالتي هنا في بغداد ، فغيرت مجرى حياتي واستولت على أفكاري بحيث إني قررت أن أعمل كل ما بوسعي وبكل الوسائل لأخذها حتى اعتقدت أني لو بارحت بغداد من دونها فسيستولي عليّ اليأس والقنوط.
التجأت أولا إلى أمها لأني لاحظت لديها ميلا نحوي وعطفا كبيرا عليّ. ففي أحد الأيام ركعت أمامها وأخذت يدها فقبلتها وأقسمت أني لن أنهض من مكاني ان لم تعدني بإعطائي ابنتها .. شدهت المرأة من عملي إذ لم تتوقع أبدا أن أفعل شيئا غريبا كهذا ، فضحكت وكأنها تشير إلى تلبية رغبتي ، لكنها في نفس الوقت كانت مترددة لا تعلم بماذا تجيب أما أنا فاعتبرت جوابها على ما فيه من تردد وغموض قبولا فشكرتها واعتبرتها حماتي في الحال فقمت وعانقتها وقبلت جبينها لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد وكان لا بد من أخذ ورد فبالرغم من اطلاعهم على حالتي المالية ومكانتي الاجتماعية من الأخبار التي وردتهم من حلب مصحوبة بوثائق من قناصل الدول الأوروبية ، إضافة إلى شهادات الكثيرين من الذين اتصلوا بي في بغداد نفسها ، وكانت لهم مكانتهم المرموقة ، وشهادة الرجل الذي كلمني عن معاني إذ كانت أسرتها على اتصال به وتثق بكلامه بالرغم من كونه إيطاليا ...
رغم هذا كله تردد الأب كثيرا نظرا لتقدمه في السن وحبه الأبوي لمعاني وهي كبرى بناته الخمس ، وتخوف من إرسالها إلى بلاد بعيدة فقد عرف إني
