كان يعقوب رجلا عصاميا جديا حازما ، ومغامرا طموحا ، ذا تدبير وكفاية في الحروب. الا انه لم يكن رجل دولة بانيا بل هو الى التخريب والنهب أقرب .. لو تتبعنا فتوحاته وانتصاراته فيها لرأيناها انها كانت آنية موقتة. اذ بعد أن يستولى على بلد سرعان ما يخرج منه عائدا الى مقره في سجستان حاملا ما جباه من الخراج وما استولى عليه من أموال الناس وما احتواه من الجيش المهزوم أمامه ، وكأنه حارب لهذا الغرض. أما التنظيم والبناء ، ورعاية مصالح الناس ، والاهتمام بالقضاء وشؤون الزراعة ، فلم يذكر عنه شيء من ذلك. فانه عند ما هاجم ممالك الترك المتاخمة لسجستان اكتفى بالنهب والعودة. ولما دخل شيراز حمل منها أربعة آلاف ألف درهم. وقد استولى على فارس عدة مرات ، وفي كل مرة يجبي أهلها قبل مغادرتها. ولما دخل جرجان ونيسابور اساء الى أهالي المدينتين يأخذ أموالهم تعسفا. فكان بهذا سفاكا للدماء طماعا بجمع الأموال.
كما كان يتصف بالحذر الزائد فلم يكن يطمئن الى أحد ، وبالزهد والبساطة في حياته ، فكان بعيدا عن اللهو والترف. وقد عرف عنه رعايته لجنوده وتفقده لشؤونهم بحيث كانوا ينقادون لأمره. وقد أفاض المسعودي في ذكر جوانب حياته (١). ان التفصيلات التي يذكرها عنه تعطينا صورة عن شيخ قبيلة أقرب ما يكون الى البداوة ، يعيش على الغزو ، ولا يجلس الا ليتهيأ للحركة والانتقال وما يتطلب ذلك من تخفيف المتاع والأثاث بحيث لا تعوق سرعة حركته وتنقله. وهي صفات أبعد ما تكون عن صفات أمير متحضر يحكم عدة ولايات وعليه واجبات العناية بشؤون الناس فيها ، ومسؤولية عمرانها ورفاهها.
__________________
(٣٤) مروج لذهب ٤ / ٢٠٢ ـ ٢٠٦.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
