ان هذه اللمحة القصيرة عن أواخر أيام المأمون تعطينا صورة واضحة عن طبيعة العلاقة العدائية المستمرة بين الدولة العربية ومملكة الروم.
لقد كان أبو اسحاق محمد بمعية أخيه المأمون في حملته الاخيرة ، وكان المأمون أوصى له بالخلافة من بعده. ونظرا لما واجهه أبو اسحاق من معارضة بعض القواد الذين طالبوا بمبايعة العباس بن المأمون بدلا عنه ، فقد قبل مهادنة الروم ، واسرع في العودة الى عاصمة الخلافة. وأمر بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه في طوانة وحمل ما كان بها من السلاح والآلة الحربية وغيرها مما قدر عليه ، واحرق ما لم يقدر على حمله ، وأمر بصرف من كان المأمون قد أسكنهم هناك ، الى بلادهم (١). وقد يكون اسراع المعتصم بالله بالعودة الى العاصمة تنفيذا لما جاء في وصية المأمون له «وعجل الرحلة عني والقدوم الى دار ملك بالعراق» (٢). الا ان قيامه بتخريب الحصن الذي أمر أخوه ببنائه ليقف في وجه هجمات البيزنطيين لم يعرف سببه ، الا ان يكون يخالف أخاه في أهمية موقع هذا الحصن من الناحية العسكرية ، أو انه أراد أن يغيض العباس ، وقد كلفه أبوه بالقيام على بناء الحصن المذكور.
لقد شغل المعتصم بالله في خلال السنوات الخمس الاولى من خلافته بالقضاء على ما واجهه من المشاكل والاضطرابات الداخلية مما لم يستطع معه مهاجمة بلاد الروم أو توجيه بعض الحملات الى مدنهم الحدودية. ويظهر ان الروم من جانبهم قد ملوا استمرار القتال مع الجيوش العربية ، واغتنموها فرصة للراحة والاستعداد على ان انشغال الجيش العربي في القضاء على الاضطرابات ، وبخاصة حركة بابك الخرمي ، أصابه شيء من الانهاك. مما اثار في نفوس
__________________
(٢) الطبري ٨ / ٦٦٧ ، وتجارب الامم ٦ / ٤٧٠.
(٣) الطبري ٨ / ٦٤٩.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
