هناك اسباب واضحة لهجرها وعودة مقر الخلافة الى مدينة السلام. الا ان المتتبع يلمس اهمال الخلفاء الذين جاءوا بعد المتوكل على الله شؤون المدينة العمرانية عدا مدة قصيرة في ايام المعتز بالله. وذلك بسبب انشغال الدولة العربية بالحروب وما اصابها جراء ذلك من انهاك وارهاق وبخاصة من الناحية المالية ، بقيام ثورة الزنج التي استمرت خمسة عشر عاما ، وخروج الولايات الشرقية بين حين وآخر على سلطة الخلافة. بحيث فقدت سامرا وبخاصة قصورها جدتها وبهاءها واصبحت لا تليق بسكنى الخلفاء فيها. مما جعل المعتمد على الله ، رغم الظروف المالية الصعبة ، يبني له قصرا في الجانب الغربي من المدينة. وان المعتضد بالله الذي قضى اكثر ايامه قبل توليه الخلافة ببغداد ، رأى بعد ان بويع له ان الاقامة بالقصر الحسنى اكثر راحة واعظم ابهة من السكن باحد قصور سامرا القديمة.
ولا ينكر ان عودة العاصمة الى بغداد ونقل مختلف الدواوين ورجالها اليها ، وما تبع ذلك من انتقال عدد كبير من سكان سامرا رعاية لمصالحهم ، أثر تأثيرا بالغا في عمران سامرا ، وافرغها من سكانها تقريبا بحيث كادت تخلو منهم تماما. كما كان لصعوبة توفير مياه الشرب لسكان الضفة الغربية المرتفعة من سامرا ، وهي الجانب الأوسع والأهم منها ، تأثير مهم آخر في نزوحهم عنها. فهجرت المدينة التي نافست بغداد ردحا من الزمن زاد على نصف القرن ، وتطرق اليها الاضمحلال والخراب. وقد احسن ياقوت الحموي بقوله انها خربت حتى لم يبق منها سوى موضع المشهد ومحلة بعيدة يقال لها الكرخ ، واصبح «سائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر اليها بعد ان لم يكن في الأرض كلها احسن منها ولا اجمل ولا اعظم ولا آنس ولا اوسع ملكا» (١).
__________________
(١٥) معجم البلدان ٣ / ١٧٦.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ١ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2439_samarra-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
