الشهود عنده ، فاستدرجهم ، وقرأ عليهم سورة الحمد ، فقوّمها ، ثم ذكرها فيها من التفسير والمعاني ، ثم أقبل عليهم ، فقال : هل ارتضيتم قراءتي لها ، وتقويمي إيّاها؟ قالوا : بلى. قال : فمن زعم أني لا أحسن تقويم سورة الحمد كيف هو عندكم؟ قالوا : كذّاب ، ولم يعرفوا قصده ، فحجز ابن أبي عاصم على علي بن متويه بهذا السبب ، فهاج الناس ، واجتمعوا على باب أبي ليلى ، وكان خليفة أخيه عمر بن عبد العزيز ، وذلك في سنة إحدى وثمانين ، فأكرهه أبو ليلى على فسخه ، ففسخه ، ثم ضعف بصره ، فورد صرفه. سمعت عبد الرّزاق ابني يحكي عن أبي عبد الله الكسائي ، قال : رأيت ابن أبي عاصم فيما يرى النائم كأنّه كان جالسا في مسجد الجامع عند الباب وهو يصلي من قعود ، فدنوت منه ، فسلّمت عليه. فردّ عليّ ، فقلت له : أنت أحمد بن عمرو؟ قال : نعم ، قلت : ما فعل الله بك؟ قال : يؤنسني ربيّ. قلت : يؤنسك ربّك؟ قال : نعم ، فشهقت شهقة ، وانتبهت.
قال أبو عبد الله : وسمعت ابن أبي عاصم يقول : لما كان من أمر العلوي بالبصرة ما كان ذهب كتبي ، فلم يبق منها شيء ، فأعدت من ظهر قلبي خمسين ألف حديث (١) كنت أمرّ إلى دكان بقّال ، فكنت أكتب بضوء سراجه ، فتذكرت بعد ذلك في نفسي أنّي لم أستأذن صاحب السراج ، فذهبت إلى البحر ، فغسلته ، ثم أعدته ثانيا.
قال أبو عبد الله (٢) : وكنت عنده جالسا وعنده قوم ، فقال واحد من القوم : أيّها القاضي بلغنا أنّ ثلاثة نفر كانوا بالبادية وهم يقلبون الرّمل ، فقال واحد من القوم : اللهم إنّك قادر على أن تطعمنا خبيصا (٣) على لون هذا
__________________
(١) كذا ذكره الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٢ / ٦٤١).
(٢) هو الكسائي.
(٣) الخبيص : الحلواء المخبوصة : معروف انظر «لسان العرب» (٧ / ٢٠).
![طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها [ ج ٣ ] طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2435_tabaqat-almuhaddesin-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
