١١ مارس ـ اتجه طريقنا من الدابة جنوبا بغرب ، وكنا نلتزم ضفة النهر ، ويبلغ عرض السهل هنا نحو الميلين ، ولكنه فى معظم أنحائه مقفر. ولا يزال النهر غاصا بالجزائر المنخفضة والصخور. وبعد ساعة ونصف بلغنا مجموعة من النجوع تسمى فركة. وفى السهل كيمان من التراب لا شك فى أنها من صنع الإنسان كنظائرها التى رأيتها عند قسطل. ويقيم ابن حاكم سكوت ، الذى كنت أحمل إليه خطاب التوصية ، على جزيرة عند فركة. ووقفنا تجاه الجزيرة ليرعى بعيرانا أغصان الطرفاء. ولما كان حسن كاشف قد أنذرنى بأن هذا المكان يجب أن يكون نهاية رحلتى فى الجنوب ، وأنه أقصى ما يسمح فيه للخبير بمرافقتى ، فقد أصر الخبير على أن يصدع بأمر سيده. على أن وعدا منى بأن أنفحه بقرشين ، وبملاية من الصوف تساوى قرشين آخرين ، كان كافيا لحمله على مخالفة أمره ، فرضى أن يصحبنى للمحس قائلا «إن لامنى حسن كاشف فسأخبره بأنك أصررت على المضى فى طريقك برغم تحذيراتى ، وبأننى لم أر من المروءة أن أتركك تسير وحدك». وكانت خطتى أن أصل إلى تينارى أهم بلد فى المحس ، ومنها أعبر إلى ضفة النهر الغربية ، لأننى علمت أن لولدى كاشف النازلين هناك مركبا تحت تصرفهما. وكنت أنوى فى رجوعى أن أزور صاى وكل الأطلال الموجودة على الضفة الغربية.
ولما لم يكن لى بحاكم فركة حاجة ، فإننى لم أعرج عليه. ولكن الرجل رآنا راكبين فعدا خلفنا على فرسه مع أحد عبيده ليسألنا من نحن ، وأصر على أن نعود معه لبيته. والامتثال فى مثل هذه الحالة أجدى من المقاومة التى لا طائل تحتها. لذلك عبرنا مجرى جافا لفرع من فروع النهر حتى بلغنا الجزيرة ، وهناك وجدنا أهل القرى المجاورة مجتمعين فى بيت الحاكم ليصيبوا حظهم من لحم بقرة ذبحت على روح الميت الذى دعينا لنأكل فى مأتمه فى أدندان. وكان مع النسوة طبل صغير ، أنشدن على دقاته ورقصن إشادة بذكرى الميت. وكان مضيفنا يتلهف على سلب بعيرىّ ، ولو لا خطاب أبيه لفعل ، ولأعطانى بدلهما بعيرين هزيلين. وقد اعتذرت له عن ركوبى رأسا دون أن أمرّ عليه بقولى إننى ظننته
