الله بالغة ، وتصديقا لدعوة خليله عليهالسلام ، والشوق يحضرها وهي نائية ، ويمثلها وهي غائبة ، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء ، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها ، ويشاهد التّلف في طريقها ، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة ، ولا كابد محنة ولا نصبا ، إنه لأمر إلاهي ، وصنع ربّاني ، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة، ولا يطرقها تمويه ، تقوى بصيرة المستبصر وتسدد فكرة المتفكر (١٠٧). ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء ، فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى ، وخوّله خير الدارين : الدنيا والأخرى ، فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه ، جعلنا الله تعالى ممّن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته ، وكتبت في سبيل الله آثاره ، ومحيت بالقبول أوزاره بمنّه وكرمه.
ذكر مدينة مكة المعظمة
وهي (١٠٨) مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحفّ به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليه ليست بمفرطة الشموخ ، والأخشبان (١٠٩) من جبالها : هما جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها ، وجبل قعيقعان وهو في جهة الغرب(١١٠). منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر ، ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر ، وأجياد الأصغر وهما شعبان (١١١) والخندمة وهي جبل وستذكر ، والمناسك كلّها منى
__________________
(١٠٧) لقد وقع اضطراب هنا عند بعض النساخ والصواب ما أثبتناه نقلا عن سائر المخطوطات الموثقة. (تقوي بصيرة المستبصر وتسدّد فكرة المتفكر) ، لقد أحسن ابن بطوطة صنعا وهو يعبر عما يكنه لتلك الديار من عواطف ومشاعر تتملك المغاربة الذين عرفوا بتعلقهم الزائد بهاتيك البقاع ، وقد أثارت عبارة ابن بطوطة هذه انتباه السيد هاميلتون گيب الذي انتقد الترجمة الفرنسية واقترح هو ترجمتها على هذا النحو : العبارة"
Which is of compelling cogency in the perception of men of understan ding, and shatters the rationalism of The intellectuals "Gibb T.I.P.٩٨١ Note ٧.
(١٠٨) يلاحظ أن الوصف الذي قدمه ابن بطوطة ابتداء من هذه الصفحة مقتبس معظمه من رحلة ابن جبير مع بعض التغييرات فقط ..
(١٠٩) الواقع أن الجبلين أو الأكمتين تقعان في الشرق والغرب من مكة. ويذكر العبدري أن الأخشبين هما أبو قبيس والأحمر ، وهو رأي آخر حول الأخشبين ـ راجع تحقيق د. الغنيم حول جزيرة العرب من كتاب الممالك للبكرى.
(١١٠) هنا بياض في سائر المخطوطات التي بين أيدينا ، وقد اراحنا ابن جبير عند ما ذكر أن قعيقعان في الجهة الغربية.
ويلاحظ على الناشرين تصرّفهما وملئهما للفراغ بقولهما جهة الغرب منها ، كما يلاحظ عليهما ذكران قبيس يقع في الجنوب ... جزء أول صفحة ٣٠٣ طبعة باريز ... تعليق ص ٤٣٤.
(١١١) شعبا جياد أو أجياد يقعان بين أبي قبيس وبين الأكمة المجاورة نحو الجنوب المسمى جبل كدى.
![رحلة ابن بطوطة [ ج ١ ] رحلة ابن بطوطة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2357_rihlat-ibn-battuta-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
