خصصها لأداء الحج إلى مكة المكرمة شأنه شأن أي مؤمن حقيقي ، كان يتكلم العربية بإتقان ، ويحفظ القرآن ، / ١٣ / وكان يرتدي بسهولة عجيبة الزي التقليدي ، ولا يخلعه أبدا ، إنه باختصار تمثّل أخلاق هذه البلاد وعاداتها حتى إنه أصبح ذا سحنة شرقية ، وأصبح من المستحيل على أيّ كان أن يقول : إنه أوروبي ، وكان العلماء والأئمة في مكة المكرمة يظنون من هيئته أنه أحد الهنود المسلمين.
لقد استطاع بفضل تنكره المتقن أن يتمّ دون خطر مشروعه المحفوف بالمخاطر ؛ لأننا نعلم أن مكة المكرمة والمدينة المنورة لا يدخلهما ـ حتى اليوم ـ غير المسلمين ، وإن دخلوها فهم يعرضون أنفسهم لعقوبة الموت أو التخلي عن دينهم ، واتباع الإسلام.
نشر السيد بيرتون (١) Burton رحلته بالإنجليزية ، ولم أقرأها ، ولكن ما حدثني به عنها يجعل منها مصدرا في غاية الأهمية ، وإنني على صحة ما ورد فيها
__________________
(١) Richard Francis Burton ـ رتشار فرانسيس بيرتون (١٨٢١ م ـ ١٨٩٠ م). ولد بيرتون عام ١٨٢١ م وادعت أمه أنها منحدرة من سلالة أحد الأولاد غير الشرعيين للملك لويس الرابع عشر ، ومع أن أباه كان ضابطا في الجيش ، لكنه كثيرا ما قيل : إنه من أصل غجري ، وتعلم عددا من اللغات المحلية ، والتحق بالجيش البريطاني في بومباي (الهند) برتبة نقيب في القوات المسلحة لشركة الهند الشرقية ، وقد برع كل البراعة في إتقان اللغات الأجنبية حتى إنه كان في أواخر حياته يستطيع أن يتكلم تسعا وعشرين لغة ، وما لا يقل عن اثنتي عشرة لهجة مختلفة. قام بأسفار عديدة. وزار الجزيرة العربية متنكرا بزي حاج مسلم عام ١٢٦٩ ه / ١٨٥٣ م وألف كتابا بعنوان : مناجم الذهب في مدين والمدن الأثرية وذلك بعد رحلته الثانية إلى مدين عام ١٨٧٧ م ، وإن قائمة مؤلفاته لتغطي أكثر من ٣٠٠ صفحة. ترجم إلى الإنجليزية : ألف ليلة وليلة ، ـ
