وحوض المقياس يقع فى أحد أركان الحرم الموجود أسفل قصر الخليفة المأمون فى طرف جزيرة الروضة. وهو عبارة عن قبة ذات زخارف تقوم على ثمانية أعمدة من الرخام وتحت هذه القبة حوض عظيم مربع الشكل من الرخام الأبيض الخالص ، وعلى جوانبه الأربعة سلم من ثمانين درجة ، ويبلغ عمق هذا الحوض ثلاثين ذراعا بالتمام.
ويطهره الإنكشارية مرة فى العام ويستغرق ذلك منهم أسبوعا على نحو ما سبق ذكره. ويتوسط هذا الحوض «شيتخانه» تقع فى نهاية عمود من الرخام يبلغ ارتفاعه خمسة وعشرين ذراعا ، ولكى يبقى هذا العمود ثابتا لا يميل يمينا ولا يسارا ثبت على جسر من الخشب ، وهذا الجشر الخشبى مقام بين طرفى الحوض وهذا الجسر الخشبى هو ما يقال عنه «استوى الماء والخشبة».
وبارتفاع خمسة وعشرين ذراعا من هذا العمود حتى «الشيخانة» فى ذروته علامات عشرية بحساب الأصابع. وهذا الحساب مضرب مثل فى مصر ، فهم يقولون «حاسبنى بحساب الأصابع». وقد قرض بعد الشعراء أبيانا فى هذا الحساب فقال :
|
انتظر الأطفال الهلال انتظار جبريل |
|
فما أكثر ما تحسب أم القياس بالأصابع |
ويعلم من حساب الأصابع هذا مقدار ما يفيض من ماء النيل فى اليوم ، فكل علامة تساوى أصبعا ، هكذا صنعها المهندس () (١).
وكى ما تحسب هذه العلامات أنشئ سلم من الرخام داخل الحوض وهذا السلم يهبط إلى قاعه بطول ثمانية وأربعين قدما. وكل صباح يهبط شيخ المقياس هذا السلم ويتبين من العلامات الموجودة على العمود الرخامى مقدار الماء الذى جاء به النيل البارحة. ويقوم بتسجيل مقدار ما بلغ النيل من زيادة بالزعفران على رقعة فى حجم الكف ويخطر الباشا بذلك.
وعلى حافة الحوض تاريخ بخط كوفى ذهبى على لوح من الرخام ، وشاهد هذا التاريخ كثرة من الرحالة العرب إلا أن أحدا منهم لم يستطع قراءته ، إنه تاريخ المأمون والله أعلم ، فعلى حافة الجسر الخشبى الذى يثبت عليه العمود كتب آية الكرسى بخط
__________________
(١) بياض فى الأصل.
![الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه [ ج ١ ] الرحلة إلى مصر والسودان والحبشه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2308_alrehla-ela-mesr-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
